|
|
|
الفدرالية وقضايا الاستقرار والسلطة والعدالة والديمقراطية |
|
ترجمة وتحرير : شبكة عراق المستقبل |
|
● أولا- الاستقرار: مع مرور الأيام على قيام التجارب الفدرالية تظهر أمامها إشكاليات محددة منها موضوع الاستقرار، فإذا نظرنا إلى الفدرالية من أحد جانبيها وجدناها تميل نحو تفتيت الدولة كشكل من أشكال الحركات الانفصالية، وإذا نظرنا من الجانب الآخر وجدناها تميل نحو مركزية الدولة كشكل من أشكال الحركات الاتحادية. وهذا التذبذب بين المفهومين هو الذي يبعث الطاقة الأولى في الجسد الفدرالي العتيد، فمن الملاحظ أن الدول الفدرالية تتميز بمستويات عالية من الأطر الدستورية، وعادة ما تختلف الأحزاب حول المسائل الدستورية التي تتعلق بالمناطق المناسبة لإقامة حكم ذاتي، أو طبيعة العلاقات التعاونية بين الولايات، أو الإجراءات الوقائية التي تضمن عدم انفصال أجزاء الدولة. وعادة ما تبرز هذه الإشكالية في الدول التي اختارت النهج الفدرالي وسيلة للحيلولة دون تقسيمها وهذا من الأمور التي تحول دون الافتراض بأن الفدرالية ترسخ الانقسام وتدعم الحركات الانفصالية بدلا من مكافحتها. يعتقد بعض الفلاسفة بأن تحديات تحقيق الاستقرار لا يمكن مجابهتها بالتدابير القانونية فحسب، بل يجب التأكد من أن المواطنين يقدمون الولاء للإطار العام للدولة جنبا إلى جنب مع ولائهم لولاياتهم، وقد اهتم الكثير ممن درس المنهجية الفدرالية بالمناقشة حول بنية وتقسيم هذا الولاء المزدوج وأسسه الشرعية، وقد تقبل قلة منهم الإجراءات التي تراعي الخصوصية التاريخية أو الثقافية أو العرقية لفئة ما وإعطاءها سلطات معينة تؤدي لظهور ملامح حكم ذاتي قد يؤدي لهز البنية الاتحادية للدولة، بينما اعتبر الأكثرية بأن التصرف الملائم تجاه هذه الحالة هو بأن الناخبين وممثليهم يجب أن يلقوا بالا للمسائل الهامة التي يحملها كل شركائهم في النظام الفدرالي وان يقوموا بحلها عبر إجراءات يشارك بها الكل مما يحقق رسوخ حالة الوحدة بين أجزاء الدولة. ● ثانيا- السلطة: يعتبر توزيع السلطة بين الحكومة المركزية والولايات من الإشكاليات الحرجة التي تواجه المفهوم العام للفدرالية، والسؤال المحوري الذي يطرح هنا: ما هي الأسس التي تشرع توزيع السلطة في النظام الفدرالي؟ وهذا السؤال يجيب عليه (مبدأ الترافد) الذي تم الاهتمام به مؤخرا بعد أن أصبح جزءا من معاهدة الاتحاد الأوربي، وينص هذا المبدأ على أن السلطة يجب أن تبقى في أيدي الولايات إلا إذا كان تخويل السلطة المركزية بها يؤدي إلى كفاءة أكبر في تحقيق هدف ما. وهذا المبدأ يدخلنا إلى تساؤلات حول تفاصيل دقيقة مثل: (من هي الولايات التي يمكن إدخالها ضمن دائرة تأثيره؟) و(ما هي طبيعة الأهداف التي تدعو إلى تطبيقه؟) و(من يملك السلطة اللازمة لاستعماله؟) ومن هنا كان لهذا المبدأ تفاصيله العديدة وظهر على ساحة الأفكار العملية قويا بما يكفي لتهدئة المخاوف من تحول الاتحاد الأوربي إلى نظام مركزي، ولا يزال الخلاف مستعرا لملء ثغرات هذا المبدأ. ● ثالثا- العدالة: تتمثل إشكالية العدالة في النظام الفدرالي بالقدرة على اتخاذ الإجراءات اللازمة التي تضمن عدم التناقض بين احترام استقلالية الولايات وتطبيق إعادة توزيع الثروة في ما بينها، حيث يرى البعض بأن سياسة الحكومة الفدرالية يجب أن تحمي الولايات من التوزيع المتساوي للثروة. وإذا ما استثنينا الدول الفدرالية التي تكون جزءا من منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية فإن معظم الفدراليات الانضمامية تتصف بمعدلات فقر عالية وهذا التباين عائد حسب ما يعتقد البعض إلى الطبيعة القسرية للقوانين في هذه الدول ومحاولتها حماية الولايات والمواطنين من هيمنة المركز إضافة إلى غياب نظام حزبي فعال. وللمقارنة فإن دستور ألمانيا - وهي فدرالية غير انضمامية- ينص بوضوح على ضرورة تحقيق المساواة في ظروف العيش بين كافة أجزاء الدولة. ويبقى السؤال المطروح: إلى أي مدى تؤدي الثقافة والروابط المشتركة بين المواطنين الذين تعايشوا مع بعضهم تاريخيا إلى التخفيف من المطالبة بإعادة توزيع الثروة؟ ● رابعا- الديمقراطية: تضع الفدرالية تحديات عديدة أمام الديمقراطية خاصة إذا كانت الفدرالية من النوع الانضمامي، كما تؤدي الطبيعة المعقدة للفدرالية إلى التداخل مع معايير الشفافية والمحاسبة، وتحتاج الخطة السياسية التي ينتهجها كل موقع من مواقع السلطة إلى أن يدافع عن نفسه أمام التهم التي توجهها إليه الديمقراطية. عادة ما تؤدي الفدرالية إلى تقليص سلطة الأكثرية، إذ تقوم القوانين الفدرالية بتخفيف الثقل الانتخابي لولاية من الولايات لصالح ولاية أخرى تقل عنها في عدد الناخبين، أو تعطي لكل الولايات حق نقض القوانين المركزية، مما يجعل الأقليات تخرق مبادئ المساواة السياسية بوضوح، ومن هنا يبرز التساؤل الأساسي حول اهتمام الولايات بمسألة توزيع السلطة ومدى تطابق ذلك مع المبادئ الديمقراطية.
|
![]() |