دواعي الفدرالية


ترجمة وتحرير :  

شبكة عراق المستقبل

 

يطرح مختصو العلوم السياسية نظريات عديدة حول دواعي الفدرالية تنطلق من تحقيق هدف الحرية وفق شكل تتوفر فيه الحصانة والفرص وتنتفي فيه الهيمنة. وإذا ما قرأنا النصوص التي تنظّر للفدرالية فسنجد معظمها يتمحور حول تحقيق اللامركزية دون الحاجة إلى تعديل كبير على الدستور من أجل فصل السلطات، ويمكن تصنيف هذه النصوص إلى مجموعتين؛ إحداهما تعتبر الفدرالية خيارا مفضلا على الانعزال والواقع المجزأ، والثانية تعتبر الفدرالية خيارا مفضلا على النظام المركزي. وهذان المفهومان يتمثلان على أرض الواقع بأشكال مختلفة بدءا من نقاط مختلفة، سواء كان عملا من أجل "التوحيد"، أو "الحفاظ على الوحدة".

المجموعة الأولى: الفدرالية خيارا مفضلا على الانعزال والواقع المجزأ:

إن النظام الفدرالي ينمي السلام بين الشعوب لأنه يمنع قيام الحروب ويقضي على احتمالات اندلاعها بطرق عديدة. فالولايات المكونة لهذا النظام تكون أقوى مجتمعة في مواجهة أي اعتداء خارجي، والحيلولة دون وقوع مواجهات داخلية في ما بينها، وكان السبب الأول دافعا للولايات الأمريكية لتتحول من الكونفدرالية إلى الفدرالية، وذلك لأن الحكومة المركزية للنظام الكونفدرالي كانت ضعيفة جدا بما لا يكفي للحماية من الخطر الخارجي. وقد اتفق عدد من مفكري أوربا في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين على أن قيام فدرالية أوربية يمثل الخيار الوحيد الذي يمنع اندلاع الحروب بين الدول الشمولية العدوانية التي كانت قائمة في أوربا آنذاك. ويذكر بأن الفيلسوف الانكليزي جون ستيوارت مل (1806-1873م) كانت له وجهة نظر تتمثل في أن النظام الفدرالي لن يكون أكثر عدوانية من أية دولة عدوانية تنتظم فيه.

يؤدي النظام الفدرالي إلى تحقيق الازدهار الاقتصادي لأنه يزيل الحواجز التي تعيق التجارة البينية (الداخلية) بما يسنه من تشريعات اقتصادية تؤدي إلى إقامة أو تعزيز الاتفاقيات التجارية بين الولايات، أو بتكوين قوة اقتصادية كبيرة تتمكن من التأثير على حركة التجارة العالمية (حالة الاتحاد الأوربي مثلا).

يضمن النظام الفدرالي حماية الحريات الشخصية من انتهاكات السلطات السياسية في الولايات وذلك بتقليص بعض الحقوق السيادية للولايات وجعلها من صلاحيات الحكومة المركزية التي تستطيع وفق ما يعهد إليها من صلاحيات في التدخل في شؤون الولايات أن تقوم بحماية حقوق الأقليات، وإن بدر من هذه الحكومة أي سوء في المعاملة فإنه -بلا شك- سيكون أقل مما قد تفعله حكومات الولايات.

عند حاجة إحدى الولايات إلى المساعدة في مواجهة المشاكل الاقتصادية أو السياسية فإنها تلجأ إلى الحكومة المركزية، وهنا يتحتم عليها أن تتنازل عن جزء من سيادتها لها، وبما أن التعاون بين الولايات في أي مجال يخلق الحاجة للتعاون في مجالات أخرى، فإن هذه الظاهرة تضفي على النظام الفدرالي مسحة من المركزية.

تعزز الفدرالية من قدرة الولايات على التأثير السياسي، وذلك نظرا للتنسيق المشترك الذي يحصل في ما بينها، وفي حالة الدول الصغيرة يؤدي تدخلها في صنع القرار السياسي -وربما تمتعها بحق النقض- إلى خروجها من موقع "المتأثر" إلى موقع "المؤثر".

يشكل النظام الفدرالي بيئة مناسبة لنمو المؤسسات الاجتماعية وذلك لأنه يلبي متطلبات التكوين الحقيقي للممارسات السياسية والاجتماعية، وهو يعزز مسيرة التعاون والعدالة وكافة القيم بين الولايات وفي نفس الوقت ضمن سوية كل ولاية على حدة، وذلك من خلال مجموعة من الإجراءات كالمراقبة، والتشريع، وتنفيذ المشاريع وتمويلها، وصيانة حقوق الإنسان، والحماية من التدخل الخارجي، وتحقيق التقدم في كافة المجالات. وتعتبر العائلة نقطة البدء في عمل النظام الفدرالي، وهي مسؤولة مع الوحدات الاجتماعية التي تليها عن تقدم الولايات وحماية القيم العامة.

المجموعة الثانية: الفدرالية خيارا مفضلا على النظام المركزي:

تؤدي الإجراءات الفدرالية إلى حماية المواطنين من هيمنة الحكومة المركزية من خلال انتقال جزء من سلطاتها إلى الولايات التي تمتلك أيضا سلطة التأثير على قراراتها، وبذلك يتم التدقيق في كافة مشروعات الحكومة المركزية ومنعها من تمرير أي مشروع يتعارض مع إرادة الأكثرية. يقول الفيلسوف الإنكليزي أكتون: «إن الديمقراطية الناجحة تحقق الوحدة إما من خلال التضحية بالحكم الذاتي، أو بقيام الفدرالية. إن تعايش عدة شعوب في دولة واحدة يعد اختبارا لها وضمانا يحمي حريتها... ويعد انضمام عدة شعوب لتشكيل دولة واحدة ضرورة من ضرورات الحياة الحضارية كما هو الحال في انضمام الأفراد لتشكيل المجتمع».

تزيد الفدرالية من فرص المواطنين في المشاركة في عملية اتخاذ القرار التي تحصل بتأنٍّ ومن خلال التداول بين مؤسسات الولايات والمؤسسات المركزية فتتشكل الصورة الكلية للدولة من خلال فسيفساء المشاركة الشعبية في الحكم.

تتيح الفدرالية الفرصة لبروز خيارات أوسع أمام المواطنين، خاصة في الفدراليات المؤسسة على أساس اقتصادي، ويرى البعض أن هذه الخاصية تلائم الأنظمة اللامركزية أكثر مما تلائم الفدرالية. وتفيد الأبحاث التي أجريت حول موضوع الفدرالية الاقتصادية بأن الممارسة النموذجية تقتضي أن تقوم الحكومة المركزية بإعادة توزيع الثروة بما يحقق الصالح العام الذي يشكل المهمة الأولى للحكومة المركزية من أجل رفع التمييز عن فئات الشعب التي حرمت من إمكانات الدولة سابقا، وإذا كانت خيارات المواطنين مختلفة بوضوح تبعا لكل ولاية بسبب عوامل داخلية أو خارجية كالموقع الجغرافي واختلاف العادات والتقاليد فيُفضل أن تقوم الدولة الفدرالية -أو اللامركزية- باتخاذ قرارات تراعي الاختلاف والتنوع وذلك لأسباب عديدة، فاتخاذ القرار داخليا ضمن كل ولاية يقف حائلا دون تحول عملية اتخاذ القرار إلى اجتهادات غير قابلة للتطبيق لأن سياسيي الولاية هم الأقدر على الإلمام بخيارات المواطنين وتفضيلاتهم وبالتالي هم الأقدر على اتخاذ القرار الذي يحقق مصالحهم بشكل أفضل مما بقدمه الأداء الحكومي المركزي الذي ينحو نحو تجاهل الاختلاف والتنوع الاجتماعي ضمن الدولة. إن إعطاء السلطات لفئات الشعب التي تشترك في ما بينها بخيارات خاصة تتعلق بالأداء الحكومي يؤدي إلى زيادة كفاءة أداء الدولة من خلال إعطاء هذه الفئات حق تشكيل مجموعات داخل الدولة على أن تتكفل هذه الفئات بنفقات هذه المجموعات والمسؤولية عنها. كما يؤدي النظام الفدرالي إلى حماية الأقليات التي تحمل خصائص عرقية أو ثقافية أو غير ذلك مما يميزها عن باقي المواطنين وذلك بضمان عدم تعرضها لقرارات تتخذها الأكثرية بالضد من تلك الخصائص، ومن هنا تتمتع القرارات غير الاتحادية بتماشيها مع رغبات معظم المواطنين وعدم إجبارهم جميعا على تنفيذها.

 

اتصل بناالصفحة الرئيسيةالرجوع الى الصفحة السابقة