![]() |
||||
| الحرية الفاعلة | ||||
|
أحمد حسين |
5/5/2010 ( الاتحاد ) |
|||
|
الفوضى أو بوصف أدق الخواء الذي يعاني منه الواقع العراقي ليس وليد اللحظة، وما هو بالتخبط الآني، بل أنه إرث تراكمي شارف على القرن في العقل الجمعي العراقي، منذ أن توافدت المفاهيم المؤسساتية على المنطقة محمولة على ظهور الجيوش الأوربية في بدايات القرن الماضي. ثمة مشكلات ترهق واقعنا الراهن، إلا أنها وريث شرعي للجينات الاستبدادية المتسلطة على الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وثمة مفهوم مغلوط للحرية يعتري مسلماتنا الفكرية المتوارثة، فالكثير منا يختزل الحرية بأنها منح الآخر المختلف فسحة للتعبير عن رأيه التي هي في الحقيقة حق مكتسب شرعته له الطبيعة والسماء. تفتقر المجتمعات العراقية إلى الحريات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية والفلسفية والفكرية والثقافية، الفعلية والفاعلة وما نمارسه الآن مجرد بدايات لا تقوى على الصمود أمام أبسط التهديدات المباشرة أو المبطنة، ما يتطلب بالضرورة جملة من الأنشطة التحررية للانعتاق من ربقة الاسترقاق الاستبدادي في المجالات المذكورة أولاً، ومن ثم إكساب الفرد العراقي الثقة بالنفس والملكات والأدوات النهضوية ثانياً لتغيير الواقع. لن تتحول الحرية إلى آلية ومحركاً فاعلاً يولد شحنة إيجابية أو حلولاً ناجعة لمعالجة الواقع المتردي ما لم تكن قيمة عليا، فالأفراد ليسوا عبيداً والجموع ليست قطعاناً، إنما إرادة المستبد الذي احتكم على أدوات التسلط كانت عصاً تسوق المصادرة حرياتهم إلى طريق الاسترقاق منذ ولادة الدولة العراقية الحديثة وحتى اللحظة الراهنة. السياسة بنت الاقتصاد، هذا ما يؤمن به العالم ويصدقه المنطق، إلا أننا نعيش النقيض، فالسياسة هي التي تتحكم بالاقتصاد الوطني والاجتماعي وتوجه مساراته حسبما تشتهي، ما يدعو بالضرورة إلى توفير المناخات وتهيئة التربة الخصبة لاستزراع نبتة الحرية السياسية لنجني ثمار الحرية الاقتصادية التي ستفضي إلى تحرير المجتمعات من الأعراف والتقاليد الرثة والسائد المجتمعي المنحاز إلى سلفية الانغلاق. والتحرر من سلطة السائد المجتمعي هي الخطوة الأولى والأساس للحرية الدينية التي إن تحققت استولدت بطبيعة الحال الحريات الفلسفية والفكرية والثقافية، وهذا واقع عاشته العراق في حقب ذهبية متفاوتة من تاريخها، ما يعني أن الراهن العراقي المتردي ليس بالمعضلة العقيمة التي لا تنجب سوى الكوارث، راهننا مخاض أنجبه العراقيون في فترات الخمول القسري. قد يرى الأعم الأغلب أن التحرر من الاستبداد السياسي وهم وترف لا سبيل إلى تحقيقه، ولا نغالي بأنه واقع، إنما كيف يتسنى لنا القطع بوهمية هذا الترف أو حقيقته ما لم نحاول تفنيده على أرض الواقع؟. الأزمات التي نتخبط بها هي بالأساس مشاكل متراكمة ولدت من رحم الاستبداد وغياب الحريات بأشكالها بكافة، ما يعني بالضرورة اقتران الحلول اللازمة بتوفر الحريات الأساسية، وأولها وأهمها الحرية السياسية. وجود الحرية السياسية في بلد ما هو وجود لحلول مختلفة ومتعددة لكل مشكلة تواجه المجتمع، فبتعدد الآراء وتباين التوجهات واختلاف المرجعيات السياسية والاقتصادية والفكرية تتعدد بطبيعة الحال المخارج والحلول. الأمية والتخلف لا يمكن أن تكون موروثاً جمعياً في مجتمعات اخترعت الكتابة والأبجديات الحية والميتة قبل آلاف السنين واقترنت أنظمة حكمها بدساتير منحوتة في الحجر وعقائدها بشرائع سماوية (التوراة، الإنجيل، القرآن، الكنزا ربا)، إذا ما هي حاضنة الأمية والتخلف؟ بالتأكيد هي الأنظمة الدكتاتورية التي استبدت بالحكم منذ الاحتلال العثماني الظلامي مروراً بما أعقبه من أنظمة ملكية وجمهورية كانت الوريث الشرعي والابن البار للباب العالي في نهجها الاستبدادي. وكذلك الحال مع التخلف الحضاري والعلمي والفكري، إذ استشرت الأمية الحضارية في الغالبية العظمى من المجتمعات العراقية ما جعل النهوض بها شبه مستحيل لندرة وقلة القائمين بهذه المهمة من المثقفين الذين هم بأمس الحاجة إلى معجزة لتحقيق مبتغاهم في زمن بلغ فيه العلم مراحل قادرة على خلق أكبر المعجزات إعجازاً. الحرية السياسية هي السبيل إلى الحرية الاقتصادية التي ستمكن أو تهيؤ الفرد للبحث عما يحتاجه من ملكات تؤهله لمواكبة التطور الحاصل في مجتمعه كخطوة أولى والتي ستقود إلى الخطوة التالية وهي مواكبة التطور العالمي. الحرية السياسية هي المحرك والآلية الفاعلة لمعالجة أزمات الراهن العراقي التي جاءت كنتيجة حتمية لغياب الحرية السياسية التي إن توفرت ستنتج حتماً الحريات الاقتصادية والاجتماعية والدينية والفلسفية والفكرية والثقافية، ما يفضي إلى مجتمع ليبرالي يستطيع أن يقرر مصيره ويصنع تاريخه. |
||||
|
|
||||