|
ظروف 2005 التي فرضت تشكيل حكومة التوافق أو المحاصصة الحزبية والطائفية
والعرقية، أو الاستحقاق الانتخابي، تغيرت في العام 2010. وهذا ما يستلزم
إعادة النظر والتأمل والبحث عن خيارات جديدة.
أولاً، تفكك الاستقطاب الطائفي والعرقي، وانقسمت الكتل التي تدعي احتكار
تمثيل المكونات. بل غابت عن المسرح الكتل التي تشكلت على أساس طائفي بحت،
وظهرت كتل أكثر انفتاحاً على التنوع المذهبي في المجتمع.
ثانياً، قلت نسبة عدم الثقة بين المكونات والتي كانت وراء خشية كل مكون من
استحواذ المكون الآخر على السلطة والثروة، وحصل تداخل مذهبي في الكتل التي
خاضت انتخابات العام 2010، الأمر الذي يشجع على بناء جسور ثقة بين المكونات،
وعلى عبور الحدود العرقية والمذهبية، بل الحزبية أيضاً.
ثالثاً، ابتعد وعي الناخب العراقي بدرجة معينة عن دائرة التصويت على أساس
الانتماء المذهبي، وإن لم يتحول بعد، بشكل واضح، الى دائرة التصويت على
البرنامج السياسي.
رابعاً، انكشفت سلبيات حكومة المحاصصة، التي تعني تقاسم الحقائب الوزارية
بين الكتل الفائزة بنسبة عدد مقاعد كل كتلة في البرلمان، وفق طريقة معقدة
نظرت الى النسب والتمثيل أكثر مما نظرت الى الكفاءة. وتمنع هذه الطريقة
أصحاب الكفاءات من تولي المناصب إذا لم يكونوا موجودين في الخريطة الحزبية
أو المذهبية أو العرقية. وهو أمر أدى في نهاية المطاف الى خفض مستوى كفاءة
الحكومة في الأداء والانجاز.
خامساً، المعروف أن هذ الأسلوب ليس متبعاً في الأنظمة الديمقراطية، التي
تعتمد مبدأ حكومة الأغلبية السياسية، أو إئتلاف المتقاربين، مقابل معارضة
الأقلية السياسية، وتشكيل حكومة الظل كما الحال في بريطانيا. ليس من أصول
الديمقراطية وأسسها أن تشترك جميع الكتل البرلمانية في الحكومة.
يمكن أن تشكل الكتل البرلمانية المتقاربة في البرنامج السياسي حكومة
الأغلبية السياسية التي تضمن حصولها على ثقة الأغلبية المطلقة لأعضاء
البرلمان، حسب الفقرة الرابعة من المادة 76. والأغلبية المطلقة تعني نصف
المجموع الكلي لعدد أعضاء البرلمان زائداً واحداً، أي 163 صوتاً. ويساعد
التقارب السياسي في جعل الحكومة أكثر انسجاماً وأكثر قدرة على العمل
والتصرف والإنجاز.
لا تتعارض فكرة حكومة الأغلبية السياسية مع حكومة المشاركة، إذ يمكن أن
تتمثل في هذه الحكومة عناصر تمثل مكونات المجتمع كلها، لكن ليس بالضرورة
تمثل كل الكتل البرلمانية. وهناك فرق بين المكونات الاجتماعية والكتل
البرلمانية بطبيعة الحال. وتتحقق المشاركة السياسية في حكومة الأغلبية
السياسية على هذا الأساس.
تتطلب حكومة الأغلبية السياسية وجود معارضة سياسية فعالة أيضاً. فلا معنى
لحكومة أغلبية من دون أقلية سياسية معارضة. وينبغي إعطاء الأقلية السياسية
البرلمانية المعارضة وضعاً دستورياً يضمن فاعليتها وقوة تأثيرها. وأفضل وضع
دستوري هو ما يتمثل في تشكيل «حكومة الظل» المعارضة. إن هذا يعطي الأقلية
السياسية المعارضة الشعور بأنها ليست مهمشة أو مقصية بل مشاركة بهذا النحو
أو ذاك في القرار السياسي. ويمكن أن تتحقق المشاركة السياسية لمكونات
المجتمع في حكومة الظل المعارضة، على طريقة مشاركة المكونات في حكومة
الأغلبية نفسها. بل يمكن تطبيق الطريقة البريطانية في جلوس رئيس حكومة الظل
المعارضة أمام رئيس حكومة الأغلبية السياسية، في البرلمان، لتأكيد مبدأ
المراقبة والمشاركة.
|