بناء دولة المؤسسات  
   

 جاسم الصغير

7/4/2010  (الصباح)

 
   

 
من المعروف لكل متابع للشأن السياسي العراقي أن بناء الدولة الحديثة لابد أن يتم في ظل مشروع وطني ديمقراطي وطني خاصة في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ العراق، وهي مرحلة ترسيخ أسس المؤسسات الديمقراطية في البلاد، وهناك عوامل عديدة تمارس دور الكابح لهذا البناء من ذلك، وتمثل ثقاقة تراكمات سلبية ماضيوية وانطلاقاً من المقولة "إن الأفكار القديمة لاتموت بسهولة".
وتتطلب التشخيص المستمر والمعالجة السريعة للقضاء عليها وإفراغها من تأثيرها إن حصل، ومن ذلك الأرث الاستبدادي الطويل الذي عاش فيه العراقيون في العقود الماضية من القرن المنصرم ويعد عاملاً معرقلا للبناء الديمقرطي المؤسساتي، وهو لا يستهان به في مواصلة نهج بناء والممارسة الديمقراطية لترسيخها أكثر في وجدان المواطن والمجتمع ومعالجة الأخطاء سواء في الممارسة أو التشريع، وهو أمر موجود في أية تجربة في دول العالم، وحتى المتطورة منها، فكيف بتجربتنا الفتية؟ إلا إن مايميز دول العالم الحر هو في المحاولة المستمرة في القضاء على السلبيات التي تظهر في المسيرة الديمقراطية وبنفس يتسم بالشجاعة، وهذا ما يجب أن نستفيد منه في التجارب الناجحة في العالم الآخر لأن البناء الديمقراطي الحقيقي يتطلب صدقاً في النوايا والعمل في آن واحد أو كما يطلق عليه في أيامنا هذه بين النظرية والتطبيق. وثمة عامل آخر يمثل عائقاً أمام مأسسة الديمقراطية في العراق اليوم هو في التخلف الاجتماعي لفئات عديدة متشبعة بقيم ساكنة ظلامية وتحاول فرض نسقها الخاص على المجموع وإلزامها به، وهو ما يتنافى مع النسق الديمقراطي. ويصاحب ذلك مجموعة من الشعارات البراقة لإخفاء النوايا والأهداف الحقيقية لتلك الجماعات والإصرار في عدم الخروج من قمقم التخلف الذي تعيش فيه، ونتيجة لذلك تأتي بالكثير من السلوكيات السياسية والاجتماعية التي تعمل على الضد من النهج الديمقراطي والمؤسساتي، وبالطبع يدفعهم الى ذلك مفاهيم عفا عليها الزمن تمثل إطاراً فكرياً واجتماعياً بعيداً جداً ولا يلائم الزمن لا من قريب ولا من بعيد، وخطاباً يتسم بالنظرة الأحادية للتاريخ، وسكونية الزمن، وانتهازية المقاصد الدفينة.
وكما يقول الفيلسوف الفرنسي التوسير إن ما من خطاب بريء وخطاب هذه الجماعات يتعكز على آلام الناس، ويحاول الإيحاء لهم في مرحلة التكتيك بتبني مطالبهم، ولكنه في الحقيقة ينقلب عليهم في مرحلة الاستراتيج البعيد عند سيطرته على الواقع، ويستغل حاجاتهم لصالح أهدافه والنتيجة تكون في عرقلة أو بطء البناء الديمقراطي، الأمر الذي يستوجب ممارسة عملية تثقيف مستمرة ليس بالكلام والشعارات المرفوعة بل في ضرورة لفت الأنظار الى أهمية الديمقراطية، وتفعيل دور منظمات المجتمع المدني، وأن تكون قريبة من نبض الشارع، وترسيخ مبدأ المواطنة، والابتعاد عن الأطر الضيقة الأفق كالمحاصصة أو الطائفية، وأن يصاحب ذلك نمو في البناء الديمقراطي، ومحاولة تحسين شروط الحياة الكريمة لهذه الفئات. يقول المفكر الن تورين "إن غاية المواطن هو أن يشعر بمسؤولية الالتزام بالأداء الجيد للمؤسسات التي تحمي وتخدم حقوق الإنسان، وتسمح بتمثيل للآراء والمصالح، وهو أمر ليس بقليل ولكنه يتضمن وعياً أخلاقياً وحضارياً بالانتماء للمجتمع والنظام والدولة"، لأنه بصراحة لا خير في ديمقراطية لا تجري تغييراً على واقع الإنسان ونقله الى أوضاع أكثر إنسانية وعياً وواقعاً اجتماعياً وأيضاً أن الديمقراطية والتي من أعظم صفاتها أنها نتيجة النضال الإنساني لا بد أن تكون في البداية والنهاية من أجل الإنسان وألا تصبح مجرد لغط وشعارات فارغة بل الأنكى من ذلك عندما يستغل أعداء المنهج الديمقراطي من العنصريين والطغاة ذلك أبشع استغلال ومحاولة ضرب ذات الأمة بأن يصوروا للمجتمع عبثية حركة المجتمع وأنه لا طائل من الديمقراطية.
وهذا يعد مقتلاً للديمقراطية، وهذا ما لا يجب أن نسمح به إطلاقاً ولذلك تاتي أهمية تأصيل وترسيخ المنهج الديمقراطي ومـأ سسته وتفعيل الإرادة السياسية والاجتماعية معاً في السير بهذا الهدف. يقول رائد الديمقراطية الحديثة المفكر الفرنسي جان جاك روسو "لكل فعل حر سببان يجتمعان لإنتاجه أحدهما معنوي وهو الإرادة التي تحدد الفعل والآخر مادي وهو القدرة على التنفيذ". إن مهمة بناء وترسيخ النهج الديمقراطي لا ترتبط بزمن معين أو تيار أو حزب بل هي حصيلة التفاعل الاجتماعي لجميع مكونات المجتمع ولجميع التيارات التي تؤمن بالنهج الديمقراطي لأنها ببساطة للجميع وليس لفئة معينة، وهي من أعظم نتاجات العصر الحديث وأعدل قسمة سياسية بين الناس والمطلوب رفدها باستمرار، وهي مهمة مستمرة ومتواصلة لجميع الأجيال. يقول المفكر محمد كرد علي في كتابه حرية الأمم "البشر سائرون في حياتهم في طريق النظام والحرية آخذون نحو الكمال في حياتهم على غير نشأتهم الجاهلية ويرون السعادة الأبدية في احترام الحقوق الشخصية والعمومية والقيام على أسباب الحياة المادية والمعنوية". إن المسيرة الديمقراطية مسيرة طويلة، وباستمرار الحياة وحركة كينونة الإنسان، وهي أهم إضافة للإنسان في الفكر الحديث والمعاصر. يقول المفكر أنيس صايغ "لقد جرب الإنسان عبر آلاف من السنين ومئات من أنظمة الحياة أنماطاً معينة من التعامل داخل المجتمع سواء بين الفرد والفرد أو بين الجماعة والجماعة أو بين الفرد والسلطة نمط واحد فقط نجح في مساعدة الإنسان في تحقيق ذاته ومساعدة المجتمع على تأمين الظرف الأنسب لمواطنيه إنه نمط الحياة الديمقراطية على اختلاف أشكالها ونظمها".