لماذا لا يراد للعراق أن ينجح؟  
   

 حازم صاغية 

7/4/2010  (الاسبوعية العراقية)

 
   

 

منذ العام 2003 ثمّة تيّاران اثنان يتسابقان في العراق، كما يتسابقان عليه. وقد بلغ تسابقهما، مع الانتخابات النيابيّة الأخيرة، إحدى ذراه المحتدمة:

من جهة، هناك العمليّة السياسيّة، ومن جهة أخرى، هناك العنف الأعمى.

والعمليّة السياسيّة قابلة لأن توصف بكلّ الأوصاف التي تتّسم بها السياسة في بلد حُرم طويلاً منها، وحيل فيه دون نشأة تقليد وطبقة سياسيّين: فساد، محسوبيّة، ارتباطات قد لا تتوافق دائماً مع السيادة الوطنيّة، أنانيّات، عصبيّات إلخ...

لكنّ البديل الذي لا بديل سواه هو: العنف، أي الجريمة التي لا يحدّها حدّ، والتي تربّي المجتمع برمّته على القتل فيما تفسخ كلّ نسيج متبقٍّ للوحدة الوطنيّة، موسّعةً الفجوات الداخليّة التي يدخل منها النفوذ الأجنبيّ ويرسّخ حضوره، ناهيك عن ترسيخ البُنى المناهضة للدولة ودورها، كالطوائف والعشائر.

هذا، باختصار وتبسيط، تناقض العراق الأبرز اليوم الذي يفوق التناقضات الأخرى ويوجزها. فأين ينبغي أن يقف المرء، خصوصاً متى كان أخلاقيّاً، مناهضاً للجريمة ومحبّاً للتقدّم؟

الجواب يُفترض أن يكون بديهيّاً لكنّه، للأسف، ليس كذلك.

فالذين يختارون العنف ليسوا قلّة وليسوا ضعفاء القدرة والبأس. حتّى حين تتراجع فعاليّة تنظيم مجرم كـ«القاعدة»، يجد العنف أسماء وأدوات أخرى ينفّذ من خلالها أغراضه المجرمة.

واقع كهذا ليس إلا تعبيراً عن الرغبة في ألا ينجح العراق وألا تقلع تجربته بحيث تستطيع إصلاح نفسها بنفسها سلماً. ذاك أنّ نجاح العراق وتجربته الجديدة يعني عدداً من الأمور التي تقطع قطعاً مبرماً مع السائد الثقافيّ والسياسيّ في المنطقة.

فهو يثبت أنّ الجماعات الدينيّة والإتنيّة قادرة على العيش معاً وعلى بناء وطن ودولة يصار فيهما إلى نقل النزاعات إلى المؤسّسات، كما يثبّت أقدام دولة أساسيّة من دول المنطقة في الممارسة الديمقراطية والدستوريّة. هكذا لا تقوم قائمة للاستبداد، كما تُطوى صفحات الانقلابات العسكريّة والنزاعات الدمويّة المفتوحة.

وهذا وذاك هما، للأسف، مثل الهواء في رئتي هذه المنطقة من العالم. تكفي نظرة سريعة إلى أحوال التسامح والتعايش كي نعود بالخيبة الكاملة. أمّا أحوال الاستبداد والتوتّر، المعلن أو المكبوت، فأدعى الى الخيبة واليأس.

والحقّ أنّ مؤسّسات ومصالح بكاملها نشأت على قاعدتي عدم التسامح وانعدام الديموقراطيّة، وليست حركات العنف الأصوليّ إلاّ أبرز هذه المؤسّسات والمصالح. ولا نكون مبالغين إذا قلنا أنّ أنظمة عديدة تندرج في هذا الإطار اندراج مهن سياسيّة وإعلاميّة و«فكريّة» و«ثقافيّة». وقد تكون «القضايا المصيريّة» التي تهرب عبرها تلك المؤسّسات والمصالح، كي لا تحلّ مشكلتي التسامح والديموقراطيّة، القاسم المشترك بين هؤلاء جميعاً.

بهذا نفهم لماذا تتّسع حلقة الراغبين في العنف وفي ألا ينجح العراق وألا تقلع تجربته الجديدة على حساب تجاربهم. هم يريدون معاقبة التجربة العراقيّة لا بسبب ما هو سيئ فيها بل بسبب ما هو جيّد وواعد وقابل للتأثير والامتداد.