وظيفة علماء السياسة  
   

 محمد عبدالجبار الشبوط  

28/4/2010  ( الاسبوعية )

 
   

 

رؤية

كان أفلاطون يدعو الى أن يأخذ الحكماء الكبار أصحاب المعرفة النظرية التأملية والخبرات العملية المكتسبة على عاتقهم سياسة المدن وإدارتها. عاد السياسيون، المنتخبون وغير المنتخبين، الى الانفراد برسم سياسات البلد، بعيداً عن مشاركة المفكرين الاستراتيجيين والعلماء السياسيين والاقتصاديين وغيرهم من ذوي الاختصاص العلمي، كما كانوا طيلة السنوات السبع الماضية. وهو أمر كلف البلد الكثير، لأن رسم السياسات بناء على رأي السياسيين فقط يجعلها خاضعة لحسابات الربح والخسارة التي تسيطر على تفكير السياسي، وهي حسابات لا تأخذ في الحسبان مصالح البلاد في كل الحالات، وقد تنجر وراء مصالح فئوية أو حزبية أو حتى شخصية، في حالات كثيرة.

تواجه البلاد أزمة سياسية كبيرة، تشبه تلك التي واجهتها بعد انتخابات العام 2005 وكأن سياسيي البلد لم يستفيدوا من تجاربهم السابقة، أو لم يتعظوا بالمتغيرات الشعبية التي حصلت خلال السنوات الماضية. والسبب الجوهري في الأزمة هو انفراد "الخطة ألف" برسم المشهد السياسي.

يتحرك السياسيون عندنا على أساس تحقيق "الخطة ألف" دائماً. و"الخطة ألف" تعني تحقيق الأهداف التي يسعى إليها السياسيون في درجتها القصوى، والتي لا تقبل عادة المساومة ولا التسويات ولا الحلول الوسط. وهذا ما يقود العملية السياسية الى انسداد الأفق، فتدخل في مرحلة الأزمة المستعصية على الحل التي تنذر عادة بتطورات غير مسرة، مثل الحرب الأهلية والعنف والتوترات الاجتماعية والفراغ السياسي.

إدارة الدولة وممارسة السياسة علم وفن. وقد كان أفلاطون يدعو الى أن "يأخذ الحكماء الكبار على عاتقهم سياسة المدن (=الدول) وإدارتها، الذين تتوافر فيهم المعرفة النظرية التأملية والخبرات العملية المكتسبة على طول الزمان"، كما نقل عن ابن رشد في "تلخيص السياسة"، (ص 73).

لست أدعو الى أن يتنحى السياسيون لصالح العلماء، فليس الأمر على هذه الشاكلة، لكني أدعو الى مزج الخبرة العملية السياسية التي يتحلى بها السياسيون بالخبرة العلمية والأكاديمية التي يحملها العلماء، من أجل إدارة الدولة العراقية ورسم سياساتها بطريقة علمية حديثة. الكفاءة العملية تؤدي الى ترشيد الممارسة السياسية وتحسين أداء الدولة.

يتحقق هذا إذا جرى تأسيس مركز أو مراكز دراسات متخصصة رفيعة المستوى تضم علماء ومفكرين وأكاديميين تقوم بالبحث عن مخارج للأزمات، وحلول للمشاكل، ونماذج للخطط "باء" و"جيم"، وبدائل وخيارات تكون في تصرف السياسيين، مع بيان أكلاف كل بديل وآليات تنفيذه وايجابياته وسلبياته.

وظيفة مراكز الدراسات مساعدة السياسيين الغارقين في الهم السياسي اليومي على رؤية آفاق أخرى، وأبعد، وأوسع، للمشاكل والحلول، وفتح الأبواب التي قد تنغلق بسبب عدم تمكن السياسيين من حل مشكلاتهم ومشكلات البلد السياسية، وتقديم النصح والمعرفة اللازمين.

البدائل العلمية والعملية التي يتولى مركز الدراسات طرحها وبلورتها تساعد في تخفيف حدة الاستقطاب والاحتكاك بين الفرقاء السياسيين، وتسهل عليهم الوصول الى دوائر مشتركة تكون قاعدة للتوصل الى اتفاقات تسوية.

يمكن أن تنشئ الدولة مركزاً للدراسات الاستراتيجية يكون مستقلاً عن الحكومة وغير تابع لها، لكنه يكون في خدمة الدولة وسياسييها سواء من كان منهم في سدة الحكم، أو في صفوف المعارضة. وظيفة المركز إنجاز الدراسات التي تتطلبها وتحتاجها الدولة والعملية السياسية، سواء على صعيد تشكيل الحكومة او التحالفات او رسم السياسات المختلفة.

هذا، شرط أن يبقى المركز بعيداً ومستقلاً عن الحكومة وتقلباتها، ولا يتبدل أشخاصه ولا توجهاته بتبدل الحكومات. وهذا أمر يمكن أن يتولاه مجلس النواب، بحيث يكون المركز من ضمن الهيئات المستقلة في الدولة.