حلم التغيير  
   

 د . أسيل عبد الستار 

21/4/2010  ( الصباح )

 
   

 

دول وجبابرة مروا من هنا ولم يبق منهم أثر أو ذكر، فالمنتصر دائماً هي الشعوب التي تهزم الطغاة بعد أن اختارت الحياة، حتى وإن وهبها من هم أكثر طغياناً وأشد عداوة. إذ يبقى حلم التغيير كعجلة تدور بمخيلتنا لا يمكن إيقافها طالما هناك نبض ودم لا يعرف إلا أن يجري بالعروق ليجدد دورة الحياة في الجسد الشاحب، الذي مل الانتظار وسقم اليأس .

لا يهمنا كيف جاء التغيير والانقلاب في التاريخ يوم التاسع من نيسان عام 2003، غير أن ذلك اليوم الحاضر دائماً لم يسدل الستار على مرحلة مضت غارقة في الدماء والذات المنكسرة، إذ سرعان ما تكشفت خفايا وحقائق ظلت حبيسة ضربات سوط أبى أن يتوقف عن الجلد أعوام وأعوام حتى جاءت إرادة التغيير، فتبقى دائماً هناك نهاية وبداية توعد بها الشعوب الخاضعة للقهر والاستبداد. حلم الخلاص يتداول من جيل الى جيل كقصص التراث الشعبي يحفظ عن ظهر قلب وربما المسميات هي ما تتغير فيه بحسب أبطال الموت في كل عصر وزمان .

لم يكن حلم التغيير والخروج من شرنقة النظام البعثي خيالياً فحسب، بل كانت تنقصه مقومات الحياة والديمومة في الاستمرار العملي القابل للتطبيق، فما زالت الذاكرة متعبة من آلام الماضي المثقل بالوجيعة والخشية من العودة ولو لبقايا أشباح من الذكريات. فنحن كشعب وقوى سياسية قارعت النظام "الراحل رغم ‘رادته"، انتظرنا الحلم إلا إننا لم نحتسب كثيراً لأعداء هذا الحلم ورغبتهم بالبقاء دون المغادرة الى أمل يجمعنا على أعتاب مستقبل يتجاوز الماضي من جديد. وربما هذا ما يفسر تعثر التجربة الجديدة. لكننا في الوقت نفسه لا يمكن أن ننفي أن هذه التجربة سائرة الى الأمام بإرادة شعب أرادوا له الموت وأراد لنفسه الحياة، فكان له ما أراد ومحا ما أرادوا.

وإن خلف واقع التحول السياسي الذي تبع سقوط الطاغية سلسلة تغييرات أرخت لمرحلة جديدة من الانفتاح المجتمعي على الفضاء الواسع بلا قيود والمكاشفة للنوايا المتسترة، فإنه أحدث نقلة نوعية في الواقع اليومي بكل تفاصيله فبدا الوطن وكأنه يعيد اكتشاف نفسه من جديد وكأننا نولد معه مرة أخرى، فيخطئ من يرى أن بغداد قد أدمنت الطغاة، بل إنها باتت تحدث العالم في كل يوم كيف أنها لا يمكن أن تسقط أو أن تتعب من البحث عن الحرية لأن الوطن لا يمكن أن يكون عقيماً، فالحب موروث أصيل في تاريخ هذا البلد، والحنين إليه لا يعدله حنين.. نبارح الأمل أحياناً ونهن أحياناً أخرى إلا أننا لا نموت ولا نحرض على الاستسلام لإرادة الآخرين، فبلد كالعراق هو من أنجب الحياة وعلّم الدنيا ما لم تكن تعلم.