حول موضوعة التحول الديمقراطي في العراق  
   

غالب حسن الشابندر 

17/4/2010  ( ايلاف )

 
   

 

كيف تتم صيرورة التحول الديمقراطي في بلد تخلص من الديكتاتورية توّا (العراق نموذجا)؟!

هناك شروط أو متطلبات أساسية، هي بطبيعة الحال لا تنفصل عن جوهر المشروع الديمقراطي نفسه، هذه الشروط أو المتطلبات با ختصار مدرسي شديد هي:

أولاً: سلطة تتمتع بقدر من الشرعية، ديمقراطية، أي تحوز على مقدار من رضا الشعب، أو برضا قطَّاع غالب من أبناء الشعب العراقي، هذه أوّل المقتربات التي نحتاجها في عملية التحول نحوا لديمقراطية.

ثانياً: معارضة ديمقراطية، فلا ديمقراطية بلا معارضة من حيث المبدأ، وعملية التحول نحو الديمقراطية تحتاج الى معارضة، تتعاطى إيجاباً وسلباً حسب قواعد وقيم اللعبة الديمقراطية.

ثالثاً: تحتاج عملية التحول نحو الديمقراطية الى نخب فكرية ديمقراطية، لها حضورها القوي والفاعل في الساحة الشعبية، في الشارع، وفي الدولة، نخب تحمل الهم الديمقراطي، ليس بالضرورة تمارس العمل السياسي، ليس بالضرورة جزء من معارضة فعلية، بل معارضة تنتصر للديمقراطية، وتذب عن الديمقراطية، وتجتهد فكرياً ونظرياً على طريق التحول الديمقراطي.

رابعاً: تحتاج عملية التحول نحو الديمقراطية إلى قاعدة شعبية معقولة تتعاطف مع فكرة الديمقراطية، وتأمل في التحول نحو مشروع الديمقراطية.

خامساً: تحتاج عملية التحول الديمقراطي الى صحافة حرّة بدرجة ملحوظة، حرّة بحدود بطبيعة الحال، تراعي التا ريخ، والوا قع، ولا تخاطر بالانتحار، والحرية يمكن أن تدخل مسار التدرج، مسار التراكم، ليس الحرية ثوباً نرتديه كما يحلو لبعض الناس، بل الحرية فكرة وممارسة من خلال مراعاة حكم التاريخ، الحرية كائن زمني يخضع للظروف والمستجدات، فلا بد من مراعاة ذلك.

التفاعل بين هذه المقتربات من طبيعته المساعدة على هذا الهدف الكبير، أقصد التحول نحو الديمقراطية، فإن مثل هذه المقتربات سوف لا تكون جامدة، سوف تتفاعل مع الواقع، وتتفاعل فيما بينها، الأمر الذي يفعِّل المسالة الديمقراطية، كثقافة وعادات وممارسة.

الاحتراب السلمي القيمي المستند الى السجال الفكري والمحاججة الفكرية بين السلطة والمعارضة ينعكس على الواقع الاجتماعي، ينعكس في أشكال متنوعة، على شكل قبول ورفض، على شكل معالجة، على شكل إضافة وحذف، وكل هذه الانعكاسات تربي وتمرّن على العادات والسلوكيات الديمقراطية، خاصة إذا هذا الاحتراب مساحته الكبيرة من وسائل الإعلام، المرئية والمسموعة والمقروءة، إن مثل هذه الانعكاسات تغذي العقل، تنفذ إلى طبقاته، تترسب في اللاشعور الشعبي، في الوجدان الشعبي، تؤسس ثقافة شعبية عميقة، تتحول إلى بنيات فكرية.

في هذا السياق، وفيما إذا تحركت النخب من خلال فكرها، من خلال طرح تصوراتها، من خلال ندواتها، سوف تلتحم بالضرورة مع نتائج تلك الحالة، تضيف إليها، وتمد بشعاعها، فإن العمل الفكري السياسي تراكمي، يمتد عبر النشاط والحضور الفاعلين، سوف نخلق مناخاً ديمقراطياً، قد يكون ذلك في حدود بسيطة، ولكن هناك ساحة ديمقراطية بالفعل، سوف تمتد وتتسع هذه المساحة بفعل هذا التفاعل الحي بين مكوناتها الأساسية، أي السلطة التي تتمتع بشي من الشرعية، والمعارضة الحزبية وغير الحزبية، والنخب الديمقراطية المستقلة.

هنا يأتي دور الصحافة الحرة، فهي زاد كل هذا الخليط المتحرك، تعطيه نكهة حارة، مذاقاً ديمقراطياً ساخناً، تحوله إلى قضية داخل البيت، داخل السوق، داخل المدرسة، داخل الدائرة، وبذلك نكون قد خلقنا جواً ديمقراطياً حقيقياً.

هناك ظاهرة بسيطة، ولكن لهذه الظاهرة البسيطة مؤسساتها التي سوف تغنيها، سوف تُشيعها، إن البداية البسيطة هي العمل، ومنها ننطلق، والفلسفة التي تقول رحلة الألف ميل تبدأ بميل مقولة صحيحة بشكل عام في تصوري، وقد برهنت تجارب الشعوب والجماعات على سلامة منطقها.

فعلُ الجماعات والمؤسسات موحي في كثير من الأحيان، خاصة إذا جاء وفق تخطيط دقيق، وضمن حساب علمي للظروف والملابسات الاجتماعية والفكرية والمدينية.

سوف تتجلى الديمقراطية كنظام حكم، وكوسيلة لفض النزاعات، وكطريقة لتبادل الرأي، كأسلوب للتفاهم على الحل الوسط، سوف تتجلى بهذه الصور والصيغ من خلال ممارستها الحية بين الحكومة والمعارضة، وبين النخب المفكرة والأحزاب، بين كل هذه المقتربات، علناً، ومن خلال وسائل الإعلام، بشفافية وحماس، فليس الناس حجراً، إنها تتأثر، وتؤثر، والإنسان العراقي اليوم يتطلع إلى مثل هذا التجارب الحوارية الشفافة، وبالعكس، أن مثل هذه الممارسة سوف تفضح منطق القوة الغاشمة، وسوف تعري الديكتاتورية الثيوقراطية والشمولية.