![]() |
||||
| التأسيس لثقافة الانتخابات | ||||
|
علي حسين عبيد |
20/3/2010 (الصباح) |
|||
|
أظهرت التجربة الانتخابية الأخيرة إستعداد العراقيين للتعامل مع الواقع بطرق معاصرة تتواءم وروح العصر، وسجلّت لهم خطوة أخرى في مجال الوعي السياسي ورغبتهم في العيش المتوازن بعيداً عن أشكال الصراعات العرقية أو الدينية أو غيرها، وقد أشار الى ذلك مراقبون ومحللون وقادة سياسيون من عموم العالم وأكدوا على أن إقبال العراقيين على صناديق الاقتراع بالنسبة المعلنة وفقاً لمفوضية الانتخابات (62%) يؤكد رغبة العراقيين بنسيان الماضي والتوجه الى مفاهيم جديدة قائمة على الرغبة بالتعايش والتنوع واحترام الرأي الآخر. إن هذه الآراء والطروحات التي تقترب كثيراً من الحقيقة تشكل قاعدة مهمة لترسيخ هذا النهج الجديد المتحضر في بناء الحياة العراقية، لكنها بطبيعة الحال لن تكتمل في ليلة وضحاها، لذا فنحن بحاجة الى برمجة الخطوات الفعلية التي تقودنا الى تحويل هذه الأنشطة المتحررة الى سلوكيات معتمَدة في حياتنا بمعنى أننا نحتاج الى تعضيد قاعدة الأفعال والأنشطة المتحررة بين أفراد الشعب، وهذا يتطلب تدعيم القاعدة الأساسية لنهج الحرية بدءاً من الأطفال صعوداً الى المراحل العمرية اللاحقة. لذا علينا أن نبدأ بالطفل في البيت ونعلمه الأساليب التحررية وهذه بطبيعة الحال مسؤولية الأب والأم، بيد أن هؤلاء الآباء والأمهات هم بحاجة الى المعرفة في هذا المجال أيضاً، أي لابد أن تكون هناك جهة تأخذ على عاتقها نشر وتعليم الكبار (الآباء والأمهات) كيفية ترسيخ مبدأ التداول والتشاور والانتخاب بين أطفالهم، ويمكن أن يتم ذلك عبر كراريس تشرح هذه الأمور، أو دورات متخصصة وما شابه. ثم ننتقل الى المرحلة الأخرى وهي المدرسة الابتدائية، إذ من المهم جداً أن تأخذ المدارس زمام المبادرة لنشر النهج التحرري بين التلاميذ الصغار كما هو الحال مع مناهجهم التعليمية، فمثلما يكون من المهم أن يتعلم الطفل القراءة والكتابة والحساب وما شابه، يجب أن نضع في حسابنا بأنه من الأفضل أن يتعلم الحرية كدرس عملي نظري قائم على الإقناع، وهنا سوف يترسخ مفهوم الانتخاب والتشاور واختيار الأفضل لدى صغارنا، فتراه حين يكبر مهيّئاً لهذه الأجواء ومعايشاً لها، بل أنها تكون قد أصبحت جزاءً لا يتجزأ من سلوكه اليومي المعتاد. بيد أن هذا الأمر يحتاج الى أن يتحول من خانة القول الى التطبيق، فكيف يمكن أن يتم ذلك ؟ أي كيف يمكن أن نحول أطفالنا الى كائنات متحررة تتعامل مع الحرية كما تتعامل مع الحرف والكلمة والغذاء والماء والملبس وما شابه، بمعنى تصبح الحرية ومفرداتها جزءاً من كيان الطفل لتنمو معه الى مراحله العمرية القادمة ولا تكون سلوكاً غريباً أو هامشياً بالنسبة له. وطالما أن كبارنا تعلموا هذا النهج المتحرر عبر تجارب انتخابية قليلة، وهذا ما أثبتته التجربة التشريعية الأخيرة، حيث تقاطر الطاعنون بالسن رجالاً ونساء وذوي الحاجات الخاصة وغيرهم الى صناديق الاقتراع ليقوموا بدورهم في بناء الحرية، فإنه من باب أولى أن يتعلم الصغار ذلك، ولسوف تترسخ هذه الأنماط المتحررة في ذواتهم وتصبح حالة معتادة في جميع مجالاتهم وأنشطتهم سواء في البيت أو العمل أو التعامل مع الآخرين بصورة عامة... تُرى هل أننا حين نتكلم بهذه الطريقة إنما نميل الى المثالية أكثر من غيرها؟ وهل الكلام عن تعليم الصغار للسلوك المتحرر ضرب من الكماليات أو الترف غير المطلوب في المرحلة الراهنة؟ أو من غير الممكن تحقيقه؟ إننا نجزم بأن كلامنا لا ينحو الى المثالية في حالة توافر الجهات والأفراد الذين يأخذون على عاتقهم مسؤولية تحقيق هذا الهدف، طوعياً، وفرضا كذلك، بمعنى يمكن أن تكون هناك منظمات أهلية محلية أو دولية طوعية فاعلة في هذا الاتجاه، ومن الممكن جداً أن توضع خطة عمل من لدن الحكوميين المتخصصين، ثم يتم تطبيقها في المدارس وغيرها على أنها مناهج تعليمية يجب أن تدخل ضمن واجبات الكادر التعليمي كما هو الحال مع واجباتهم التعليمية الأخرى. وعلى العموم يبقى الأمر متعلقاً بالتخطيط الجاد لنشر المنهج التحرري بين الصغار، ثم توضع آلية واضحة للتطبيق، تنطلق من الحس الإنساني والوطني الخالص، ثم يتم تطبيقها كمراحل عملية تخضع للمراقبة كما هو الحال مع أعمال الموظفين الحكوميين الملزمين بأداء واجباتهم مقابل أجورهم الشهرية التي يتقاضونها عن ذلك، وبهذه الطريقة وغيرها يمكن أن يصبح أطفالنا، كائنات متحررة تقبل على الحياة بنشاط وتتعامل مع مفرداتها وفقاً لصيغ ومناهج الحرية الراسخة. |
||||
|
|
||||