المهنية وحرية التعبير  
   

د. كريم شغيدل 

28/3/2010 ( الصباح )

 
   

 

إن السقف الدستوري ومساحة حرية الإعلام المتاحة، يفضيان بالضرورة إلى غياب سلطة الرقيب، لكن هذا لا يعني انعدام المهنية، أو تجاوز حدود اللياقة الأدبية والموضوعية، أو المساس بالآخرين، فغالبية الآراء التي تطالعنا بها وسائل الإعلام المختلفة هي آراء مسيسة، ولا اعتراض على ذلك بشرط أن يقبل أصحاب تلك الآراء الرأي الآخر، على أن يتمتع كل من الرأي والرأي الآخر بالحد الأدنى من الموضوعية، وهنا يكون الانحياز مشروعاً، ويكون الحوار نافعاً، لكن أن يعمي كل بصره عن الآخر، وينتقل الرأي من دائرة الشأن العام، إلى دوائر التسييس الضيقة، أو الانحيازات العصبية، فهذا يعني مزيداً من الانغلاق والتزمت والتعصب والتطرف. الرأي ملك شخصي طيلة احتفاظ صاحبه به، ولكن ما أن يظهر في وسائل الاتصال العام، حتى يصبح شأناً عاماً، ونرى أن الشأن العام مسؤولية كبيرة، فليس كل ما يتداوله الناس يصلح أن يكون رأياً، وليس كل ما يحدث به المرء نفسه أو يتحدث به في دوائره الشخصية الضيقة، يصلح أن يكون رأياً يملك حق الظهور والشيوع والانتشار، فبعض الآراء مجرد أقاويل أو شائعات، وبعضها ناتجة عن مصالح أو عداءات شخصية أو جهوية، ووسائل الإعلام ليست ملزمة بقبول كل مايردها، من باب حرية التعبير، فثمة فوارق أخلاقية ومهنية بين التعبير والتشهير، وثمة ضوابط وسياسات إعلامية ينبغي أن تراعي المصالح العامة، فللإرهابيين والمتطرفين والتكفيريين ومثيري الفتن والخارجين على القانون والمخربين آراء، فهل نكون ملزمين بنشرها على وفق قاعدة (حرية التعبير)؟ بالدرجة الأولى يتحمل الكتّاب مسؤولية آرائهم، لكن هذا لا يعفي جهة الترويج من المسؤولية، فحرية التعبير جزء من منظومة الحريات العامة، التي تشمل الفكر والدين والمعتقد والشعائر والطقوس والعادات والتقاليد، وهي حريات مكفولة دستورياً، وللأشخاص والمؤسسات والمعتقدات حصاناتها المعنوية المحمية شرعاً وعرفاً وقانوناً، ونجد أن من أساسيات الحرية احترام حريات الآخرين، فاحترام حرية الآخر هو ضمانة لحريتنا، فانتقاد الظواهر والسلوكيات والأوضاع العامة أمر مقبول، بشرط خلوه من الدوافع الجهوية أو الشخصية، أو دوافع الثأر والانتقام، أو التخريب والتشويه وتزييف الحقائق، وسيحترم رأيك طالما أنك تحترم آراء الآخرين، ونرى أن بعض وسائل الإعلام قد تمادت مستغلة ما متاح من حرية، لدس سموم السياسات الإقليمية والمحلية المناهضة للتحول الديمقراطي في عسل الفكاهات المجانية، كما تمادت في المس بالشخصيات العامة والشخصيات المعنوية لبعض مؤسسات الدولة تعصباً لهذه الجهة أو تلك، وتنفيذاً لسياسات الجهات الخارجية الممولة، إلى درجة رسم صورة قاتمة عن كل شيء في العراق، مع ذلك نحن مع الحرية طالما هناك قانون يحمي الجميع، وقضاء مستقل ينتزع الحقوق من الجناة وينتصر للضحايا، ويبدو أن بعض تلك الوسائل الإعلامية تمتلك خزائن مفتوحة لدفع المزيد من التعويضات المادية، لمن تسيئ إليهم، جراء أحكام القضاء العادل.