"أنا الشعب"  
   

 محمد خليل كيطان

28/1/2010

 
   

 

في خلال حملته الانتخابية وتحركاته لحشد مؤيديه قال الرئيس الفنزويلي هوغو تشافيز "أنــــــــا الشعب"..

وبدا أن الزعيم اليساري المتفرد الشرس أراد أن يختصر الطريق على شعبه، ولا يحمله عناء التفكير والاختيار والذهاب الى مراكز الاقتراعن لأن ورقة واحدة يضعها تشافيز في صندوق الانتخابات بيده الكريمة نيابة عن الشعب تكفي الى أن تبقيه سيد كراكاس الأوحد.

وعلى الرغم من أني ضد حشر الأنوف في الشؤون الداخلية للشعوب والأمم ومن أشد المؤمنين بأن فنزويلا للفنزوليين إن أرادوا أن يبقوا على تشافيز أو أن يحوله الى رئيس سابق وأسبق، مثلما أميركا صارت للأمريكيين، وإيران للإيرانيين، والسعودية للسعوديين، وسائر بلدان المعمورة لأهلها، إضافة إلى العراق الذي يفترض أن يكون قطعاً للعراقيين فحسب... أقول على الرغم من كل ذلك إلا أني لم أستطع أن أخفي عجبي من قول تشافيز (لست فرداً واحداً، أنا الشعب، أريد ولاء مطلقاً لقيادتي)، وأكد أنه يجسد روح الشعب الفنزولي، متنكرا لجميع الأصوات والإرادات التي تعارض صوته.

ألستم معي إننا عاجزون عن فهم فلسفة عشق معظم الثوريين للديمقراطية والتحاور واحترام الإرادات، هذا عندما يكونون بعيدين عن السلطة وسدة الحكم ومتعة التحكم والاستحكام، لكنهم سرعان ما يمقتون الديمقراطية وتصبح مجرد كلمة فارغة لا قيمة لها عندما يتربعون على كراسي السلطة وأماكن السطوة.. ثم تدهمهم أمراض الغرور والعظمة والتفرد والقيادة والتسديد الالهي والتأييد الشعبي والتحصن من الخطأ والخطيئة، وأخيراً تشريد الخصوم وسحقهم.

لقد ذكّرني تشافيز بحشد من الساسة لدينا سواء الذين هم من داخل العملية السياسية أو من الذين يأملون قريباً الدخول في معمعتها.. أولئك المتصيدون للكراسي والمناصب اللاهثون وراء الأضواء والفضائيات.. الذين يعتقدون أنهم بإقامتهم التجمعات النفعية والولائم الثريدية أصبحوا بين ليلة وضحاها مؤيدين بحشود شعبية مليونية ومسددين بإرادة جماهيرية.

لقد صارت جميع البرامج الانتخابية للكيانات السياسية نسخة واحدة لأن الكل أصبح من أشد المحاربين للطائفية، والداعين الى إقامة حكم ديمقراطي وطني يمثل إرادة الجماهير الطويلة العريضة، ويحارب الإرهاب والفساد، ويضاعف الخدمات والمعاشات، ويسعد التلاميذ في المدارس، ويزوج العازبين والعوانس.. والغريب في الأمر أن بعضهم قد جرب حظه ولم نر أياً من مفردات خيراته ووعوده ولكنه ما زال ينتقد الذين جلسوا مكانه مثلما كانوا يلومونه وينتقدونه.

إن الشعوب جميع الشعوب البطرانة والجواعنة والمنكسرة على حد سواء لا تريد من سياسييها إلا أشياء معدودة ومحددة منها العيش بسلام، والتنعم بخيرات البلاد إن زادت وإن كثرت، وتجاوز المشكلات المعيشية والاقتصادية، وقبل كل ذلك صون الكرامة.. فمن كان يستطيع أن يحقق هذا البرنامج الانتخابي البسيط  فليتقدم وليقول ملء فمه:

"انـــــــــــــــــا الشعب".