خواطر انتخابية  
   

 محمد عبد الجبار الشبوط 

4/1/2010 ( الصباح )

 
   

 

مجلس النواب هو الفرع الأول في السلطة التشريعية التي تتألف من قسمين: مجلس النواب، ومجلس الاتحاد، حسب الدستور العراقي. ويتألف مجلس الاتحاد من ممثلين عن الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة بإقليم، لكن الدستور ترك تفاصيل تكوينه وشروط العضوية فيه واختصاصاته وكل ما يتعلق به الى مجلس النواب، الذي يتعين عليه أن يسن قانوناً بذلك بأغلبية أعضائه، وذلك بموجب المادة (65). غير أن الدستور فصل الأمر فيما يتعلق بمجلس النواب الذي نص على تشكيله من عدد من الأعضاء بنسبة مقعد واحد لكل 100 ألف نسمة، يمثلون الشعب العراقي بأكمله، ويراعى تمثيل سائر مكونات الشعب فيه.

وأناط الدستور بمجلس النواب عدداً من الاختصاصات المهمة في الدولة، مثل تشريع القوانين الاتحادية، والرقابة على أداء السلطة التنفيذية، وانتخاب رئيس الجمهورية، والمصادقة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية بقانون يسن بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب، والموافقة على رئيس وأعضاء محكمة التمييز الاتحادية، ورئيس الادعاء العام، ورئيس هيئة الإشراف القضائي، والسفراء، وأصحاب الدرجات الخاصة، ورئيس أركان الجيش، ومعاونيه، ومن هم بمنصب قائد فرقة فما فوق، ورئيس جهاز المخابرات، بناء على اقتراح من مجلس الوزراء. ويحق لمجلس النواب مساءلة رئيس الجمهورية وإعفاؤه، ومساءلة رئيس الوزراء، والوزراء، واستجوابهم، وسحب الثقة من رئيس الوزراء وأحد الوزراء، واستجواب مسؤولي الهيئات المستقلة، والموافقة على إعلان الحرب وحالة الطوارئ، وإقرار مشروع قانون الموازنة العامة والحساب الختامي وإجراء المناقلة بين أبواب وفصول الموازنة العامة، وتخفيض مجمل مبالغها، وزيادة إجمالي مبالغ النفقات. تتطابق هذه التفاصيل مع مفهوم الديمقراطية التمثيلية Representative Democracy  القائمة على وجود برلمان، منتخب، يمثل الناخبين، ومن ثم المواطنين، بهذه الصفة.. فالمسألة المسألة تمثيل، والتمثيل نسبي، نائب واحد لكل 100 ألف مواطن. الناخب الذي يصوت لمرشح بعينه، إنما يقوم بتعيين هذا المرشح ممثلاً له. فإذا حاز المرشح على عدد كاف من الأصوات يمكنه من عبور العتبة الانتخابية (لاحظوا العدد المطلوب هنا ليس 100 ألف، إنما هو حاصل قسمة عدد الناخبين المصوتين، على عدد المقاعد المطلوبة في الدائرة الانتخابية). في هذه الأثناء تضيع الكثير من الأصوات التي ذهبت الى مرشحين كثر لم يحالفهم الحظ بعبور العتبة. في انتخابات مجالس المحافظات السابقة بلغ عدد هذه الأصوات "الضائعة" حوالي المليونين. التمثيل في الديمقراطية التمثيلية يقوم على أساس المواطنة، ولهذا قيل أن لكل 100 ألف مواطن، ممثلاً واحداً، ولم يحدد القانون صفة المواطنين، من حيث القومية والدين والمذهب والانتماء السياسي. التحديد الوحيد يتمثل في شرط أن يكونوا من دائرة انتخابية واحدة، بحكم أن نظام الانتخابات يقوم على أساس الدوائر الانتخابية المتعددة، وليس الدائرة الانتخابية الواحدة.

لكن القانون حدد عدد من المقاعد لمكونات بعينها، هي الأقليات العرقية أو الثقافية الصغيرة التي يخشى أن لا تتمكن من إيصال من يمثلها الى البرلمان. وهذا يجسد أاحد المعاني المهمة في الديمقراطية التي يجري تعريفها مدرسياً بأنها حكم الأكثرية. يتمثل هذا المعنى في حفظ حقوق الأقلية، على أساس أن حقوق الأكثرية (بأي معنى) مضمونة بحكم العدد، في حين أن العدد لا يضمن حقوق الأقلية (بالمعنى العرقي أو الثقافي)، ولهذا تقوم الأكثرية بحماية هذه الأقلية من خلال تخصيص مقاعد لها بالبرلمان استثناء من النص القانوني، وخروجاً على معادلة "نائب واحد لكل  100 ألف مواطن".

النائب يمثل المواطنين إذاً. أولاً الذين انتخبوه، وثانياً، جميع المواطنين في دائرته الانتخابية، وأخيراً كل المواطنين في عموم البلد، باعتبار أن البرلمان ليس محلياً إنما يشمل الوطن كله.

جرى في الإعلام العراقي أن يتم وصف النائب بكونه ممثل الكتلة الفلانية أو الحزب الفلاني، بل أحياناً الطائفة الفلانية. وهذا انتقاص في الصفة التمثيلية الديمقراطية للنائب بل هو مصادرة لها. فالنائب لا يمثل حزبه ولا كتلته. نعم يقوم الحزب أو الكتلة بترشيح الشخص، لكن الذي يصادق على هذا الترشيح ويمضيه هم المواطنون أنفسهم. ولذا لا يصح أن يوصف النائب بأنه يمثل كتلة أو حزباً، لأن هذا يؤدي في حقيقة الأمر الى إقصاء للنائب من موقعه الحقيقي، والى حرمان المواطن من وجود من يمثله، بل لعلي أمضي الى أبعد من ذلك فأقول أن ذلك سرقة لأصوات الناخبين.

ليست المسألة لغوية ولا لفظية ولا حتى قانونية، فقط، إنما هي مسألة واقعية، في المقام الأول. والناخب ينتظر فعلاً أن يكون  النائب ممثلاً له في المجلس، لا أن يكون ممثلاً لحزبه أو كتلته.

أعلى سلطة تشريعية

يمثل البرلمان أعلى سلطة تشريعية في البلاد. فهو المكان الذي تصنع فيه القوانين والتشريعات. لذا يطلق اسم المشرع على النائب، باللغة العربية وفي لغات أخرى، هذا فضلاً عن كونه أعلى سلطة رقابية في الدولة، ومصدر شرعية السلطة  التنفيذية. لكن البرلمان يمارس سلطته هذه تحت سلطة الدستور، فلا يجوز له أن يتجاوز الدستور، أو يناقضه، أو يعدله، حيث تخضع عملية تعديل الدستور الى قواعد وآليات أخرى. ولما كانت الدولة تقوم على أساس القوانين، فإن مجلس النواب مسؤول عن بناء الدولة، حيث يمدها بالقوانين اللازمة للبناء التفصيلي، بعد أن أمدها الدستور بأسس البناء، أو خارطة الطريق. لذا يمكن أن نقيس فاعلية البرلمان، وفاعلية النواب، من بين أمور أخرى،  بمدى مساهماتهم في تشريع القوانين، خاصة تلك التي نص الدستور على تشريعها وأحال أمرها الى مجلس النواب. يعمل النائب على تفعيل علاقة مباشرة بينه وبين المواطنين في دائرته الانتخابية، وتحقيق التواصل معهم والاستماع الى آرائهم ومعايشة معاناتهم وتفهم آمالهم، عبر مختلف وسائل الاتصال المتاحة. ويتعين عليه أن يمضي وقتاً مهماً، لا أن يبقى حبيس العاصمة بعيداً عن دائرته الانتخابية.

النائب بوصفه ممثلاً عن الناخبين ووكيلاً لهم ونائباً عنهم في المجلس لا يقوم بفرض آرائه  على الناس، أو الترويج لأفكاره المسبقة بينهم، إنما عليه أولاً أن يتعرف على هموم الناس وآراء الناخبين وأفكارهم، وعليه أن يتعلم منهم، ثم يقوم بخبرته الشخصية وكفاءته الذاتية بصياغة آراء الناس وآمالهم وآلامهم على شكل طروحات فكرية وصياغات سياسية قابلة للطرح والترويج وصالحة للتقديم كمقترحات قوانين في مجلس النواب. لا يمثل النائب سلطة تنفيذية، لذا فهو يكذب إن قدم وعوداً ذات طابع تنفيذي، إنما يستطيع أن يقدم وعوداً بتوفير البيئة القانونية للحكومة لكي تقوم بتقديم الخدمات، ويستطيع أن يعد بمراقبة الحكومة مراقبة دقيقة على حسن تنفيذها وتطبيقها لذلك، وأن يعد بمحاسبة الحكومة والمسؤولين التنفيذيين الآخرين محاسبة شديدة عند التقصير أو الخطأ أو التلكوء في تنفيذ المشاريع.

النائب مسؤول بشكل مباشر عن إعادة الاعتبار للمواطن، وحفظ حقوقه المدنية والسياسية، وخاصة تلك التي نص عليها الدستور والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان. سيرث مجلس النواب الجديد، من المجلس الحالي، مهام عاجلة يتعين عليه أن ينجزها، وفي مقدمة هذه المهام إصلاح العملية السياسية، إلغاء الامتيازات غير الضرورية التي شرعها المجلس السابق لأعضائه، تشريع القوانين التي يحتاج اليها البلد بصورة عاجلة مثل قانون النفط وقانون الإعلام، اعداد استراتيجية تربوية لإعداد جيل عراقي جديد، مؤمن بالمواطنة، والوطنية، والتسامح، والتعايش ونبذ العنف، والحوار، والديمقراطية، والحداثة، والدولة المدنية، والقيم الإنسانية للإسلام والأديان الأخرى، والعلم، والعمق الحضاري للإنسان العراقي.

خلاصة

أولاً، النائب موظف دولة تم تعيينه من قبل الناخبين مباشرة، وهو لا يدين للحكومة بذلك.

ثانياً، النائب ممثل للشعب بصورة عامة ولدائرته الانتخابية بصورة خاصة، وليس ممثلاً لكتلة أو حزب. وهو يتعلم من الناس ولا يفرض آراءه عليهم.

ثالثاً، النائب  مشرع، وظيفته الأساسية هي التشريع وانتاج القوانين، وهو مراقب لمجمل عمليات التطبيق والتنفيذ في البلد، بما في ذلك مراقبة الحكومة ومحاسبتها، وأخيراً هو الطرف المسؤول عن إقامة حكومة كفوءة ومقتدرة كونه الجهة التي سوف تسبغ الشرعية على التشكيلة الحكومية من خلال منحها الثقة.

رابعاً، ومن أجل تفعيل الصفة التمثيلية للنائب، يجب عليه إقامة صلة مباشرة بالموطنين فيها، والتأكد من ميولهم واتجاهاتهم ومشاكلهم.