نحن ونظرية المؤامرة  
   

عبد الرزاق حسين النداوي 

25/1/2010 (الصباح)

 
   

 

لعبت (نظرية المؤامرة) ذائعة الصيت، دوراً تضليلياً من الناحية السياسية للعديد من المواطنين، لاسيما من آمن بها دون تمحيص أو تدقيق. وليس غريباً أن تتسع دائرة المضللين كماً ونوعاً لتشمل إضافة الى القطاعات الشعبية بعضاً من النخب السياسية، فلقد رسخت الثقافة الراديكالية ـ الثورية عبر عقود ازدهارها وانتشارها، نمطاً من التفكير السياسي الإيديولوجي يتماهى ومتطلبات التعبئة لمرحلة الصراع الدولي بين القوى آنذاك.

إذ يعتبر هذا (الفكر) القوى الغربية ممثلة ببعض الدول كبيرة الشأن (امتداد تاريخي لقوى الاستعمار المعادي لتطلعات الشعوب، والساعي لنهب ثرواتها وطمس هويتها الوطنية والحضارية..).

ولأن هذا (الفكر) قد وجد في التعاطي الغربي مع القضايا العربية والإسلامية صدقية لفرضياته ومنطلقاته الأساسية، فلقد ترسخ وانتشر كثقافة سياسية وطنية، اتخذتها العديد من القوى والأحزاب لصياغة محمولاتها عبر ثنائيات متضادة بتأويل إيديولوجي زائف: عرب ـ غرب، نحن ـ الآخر، صراع ـ وفاق، حداثة ـ أصالة، ...إلخ من ثنائيات تضعنا في حالة خصومة وصراع وتصادم مفترض إيديولوجياً مع (الآخر).

فيما انكفأ التفكير السياسي الموضوعي الذي يجد للمواقف الغربية، تفسيراً ضمن إطار السياق التاريخي لها، ووفق المصالح الدولية وتشابكها واسلوب إدارتها، بعيداً عن مايمكن تسميته (ميتافيزيقيا السياسة) ومخرجاتها التضليلية ذات السمة الأبدية والمطلقة، والتي تنظر للصراعات التاريخية كونها صراع وجود وهويات وقيم وعقائد دينية دائمة وأزلية، ولأننا من الشعوب التي تعاني تدهور راهناً مقارنة مع ماكانت عليه في (ماض زاهر)، ولغرض مواجهة تحديات هذا الواقع واشباع نرجسيتها المتأتية عن كوننا (خير أمة أخرجت للناس) لابد من استحضار هذا الماضي تعويضاً واستكمالاً للنقص الذي نعيشه ونعاني منه، ولغرض التفاخر والتبجح به أمام (الآخر) المفترض عدواً أزلياً لنا.

ولأن الماضي في خزانة الذاكرة فيما نحن نواجه تحدياً واقعياً لانملك من آليات مواجهته من الناحية العملية شيئاً، تضخمت عندنا الشعارات والخطابات والادعاءات، لنصبح مجرد ظواهر صوتية ومنبرية وشعاراتية وخطابية وانفعالية وتعويضية تستعدي (الآخر)، وتصنع أعداء مفترضين دوماً وباستمرار لتزعم فيما بعد "أن سبب هزائمنا وتخلفنا وانحطاط واقعنا يعود لمؤامرة الآخر" وربما مع الشياطين، برغم علمنا زيف ذلك، وإن صدق افتراضنا، فلا يمكن له أن يجهض أو يقوض كامل إرادتنا، إذا توافرت على صدق النوايا وحسن التدبير، لا على عقول موهومة أو واهمة، ولكوننا ارتأينا إعادة انتاج الماضي لمواجهة واقعنا، فلابد لهذا الواقع أن يتشكل وفق صورة الماضي وتنعكس جميع مظاهره على حاضرنا، لتسود حياتنا الاجتماعية خلافات وانقسامات بخلفيات عقائدية مذهبية كانت وليدة لحظتها التاريخية تلك ولاتمت لحاضرنا بصلة، فظهرت تماهياً مع ذلك حركات وقوى وأفكار وعقائد أخذت طابع الغلو والتشدد كوسيلة لفرضها على الناس برغم انتمائها لثقافة الماضي وحاجاته واشكالاته المعرفية والاجتماعية والإدارية، أكثر من كونها انعكاساً لحاجة متجددة في واقعنا..

ولأن (الآخر) وفق هذه القوى يتحدد وفق ثقافتها الإقصائية المغلقة النافية للمغاير، والمؤمنة بالنسقية فكراً وذوقاً، شكلاً ومضموناً وثقافة، لذا يدخل في إطار (الآخر) كل من يختلف معهم بالرأي والهوية والعقيدة...

ليكون لدول الجوار والمحيط الإقليمي نصيب من هذا التوصيف، ولاضير من أن يكون ابن الوطن المغاير لهم أيضاً ضمن (الآخر) بعد أن يتهم ويوصف بالمتآمر والخائن والعميل وغير الأصيل.. مما يعرّض وحدة الوطن والشعب للتشظي، ويضمحل مفهوم المواطنة لصالح الانتماء والولاء..

إن نظرية المؤامرة بخيالها الواسع المتجاوز الأطر القانونية والقيمية والواقعية لصياغة سيناريوهات تآمرية كوميدية هي منزلق فكري هش لابد من كشف عواهنها الاعتباطية، وما تبطنه من صور تسطح بها (العقل البشري) المؤمن والمقتنع بها.. إضافة لكونها تبريرات زائفة لواقع مؤلم نعيشه لابد من مواجهته بجد لغرض تغييره نحو الأفضل، ولايتم ذلك إلا عبر ثقافة جديدة تعيد صياغة قراءة المشهد السياسي وفقاً لعناصره الواقعية لا المتخيلة بنظريات موهمة مثل (نظرية المؤامرة).