محنة الأزمات الكبرى  
   

كاظم الحسن

18/1/2010 (الصباح)

 
   



ثمة مقولات كانت تتردد على ألسنة النساء القرويات فيما مضى، وهن يحملن اللعنة ضد بعض الأشخاص أو الأطفال ومنها (دهر صابك، دولاب فرك) وكانت بعضها أخف (عسى سيارة تدهسك بلا رقم) أو (رصاصة تايهة)، والحقيقة أن أسوأ شيء هو الدولاب الذي يتحرك بلا توقف ويجعل الإنسان بلا مكان أو زمان، ويفقد لحظة السكون والاستقرار، وفي الصين غالباً ما تكون اللعنة قاسية جداً، وهي (عساك تعيش في عصر انتقالي)، لأن ذلك فيه ضياع المعايير والمقاييس والقواعد الدارجة، وهي المحنة الحقيقية التي يمر بها الإنسان، ويفقد الروابط الاجتماعية، ويعيش لحظات اغتراب حقيقية، ولذا كان يطلق على الأجيال التي عاشت بعد الحرب العالمية الثانية أو الأولى بالجيل الضائع، ولذلك كثيراً ما تقع المأساة في ساعة الأزمات الكبرى والهزات العنيفة التي تقلب الأوضاع السائدة وتزلزل أركان الأنظمة القائمة وتهز القيم المسيطرة فيشعر الذين يمرون بالتجربة أن كيانهم السابق ونمط وجودهم المألوف قد وضعا موضع التساؤل.
وحتى الفرد عندما يعيش ما بين أحلامه بالخلود وطبيعته الثانية يحدث ذلك الصراع الرهيب. وهذا ما أصاب كلكامش بالمحنة العظيمة حتى قالت والدته بالتبني وهي تخاطب الإله شمش: لماذا أعطيت ولدي كلكامش قلباً مضطرباً لايستقر؟!
بل إن أنسنة أنكيدو جعلته يصرخ في لحظات احتضاره، وتمنى البقاء في البرية بعيداً عن صخب وعذاب الحضارة.
وتزداد المحنة والمأساة لمن يقف عند غروب الأشياء محاولاً استعادة ما قرضه الزمن بلا رحمة، وقد يكون هذا الزمن ذهبياً لأنه يحمل منظومة وعلاقات اجتماعية متماسكة وذاكرة أدمنت على الأمكنة والعلامات الرمزية والطقوس الخاصة.
في الأزمنة الانتقالية التي تطغى بها الحروب، تشتد غرائز البقاء وتتلون النفوس، وتتصاعد ثقافة العنف، بسبب اضمحلال القانون، وانحسار الأعراف، وتصدع الضمير، وهذا أقسى ما تمر به الأمم، ومن هذه الثغرات تظهر الدكتاتورية والطغيان كبديل ومخلص. وكفى بك داءً أن ترى الطغيان شافياً...
العصر الانتقالي ليس من السهولة استيعابه أو فهمه، عندما انهارت الامبراطورية العثمانية، بقيت أحلام الشريف حسين بالوحدة العربية تداعب مخيلته الى الحد الذي فقد الإمارة على بعض المناطق التي باتت تعرف بالسعودية، وحتى أول رئيس للوزراء في العهد الملكي عبد الرحمن النقيب كان يتخيل عودة العثمانيين وكان يردد أغنية ملازمة له (كل يوم أكول باجر يعودون وأنطي للمبشر بوسة من العيون)، أنه الحنين الجارف للماضي، والشعور بالغربة من الجديد.. حتى قال العرافي في أمثاله (الشين الذي تعرفه خير من الزين الذي لاتعرفه).. بمعنى أن المجهول والقادم هو سيئ بالضرورة، وعليك أن تقبل بما هو كائن أي ليس بالإمكان أحسن مما كان، وهذه نظرية الشعوب التي تعيش في الماضي، ولا تتطلع الى المستقبل، لأنه يحمل لها نذر الشؤم، ولذلك هي تفضل القناعة التي تعدها كنزاً لايفنى، وغالباً ما تكون مراحلها الانتقالية هي فتنة، وليست تغييراً نحو الأحسن لان قيم الحرية والعدالة غائبة عن الأدبيات السياسية والتاريخية، والصراع في مجمله يدور حول الكراسي والمناصب والغنائم، ولافرق بين الحاكم والمعارضة التي تعيد انتاج الظلم أي تبادل الأدوار بين الجلاد والضحية، فالأزمات الكبرى تلد أزمات أخرى، وكأننا ندور في حلقة مفرغة.