الانتخابات المقبلة والتأكيد على المواطنة  
   

   صادق باخان

14/1/2010 (الصباح الجديد)

 
   

 

    كما يبدو من تطورات الأحداث التى تعاقبت غداة إجراء الانتخابات النيابية عام 2005 بأن عاصفة دوامة العنف والاقتتال الطائفى قد هدأت بعض الشيء برغم أن تلك الأحداث خلقت فوضى عارمة تولد منها فساد مالي وإداري، وظهور مافيات داخل دائرة بيروقراطية فاسدة هى أشبة بما جرى فى الولايات المتحدة أثناء فترة الكساد الاقتصادي العظيم الذى ضرب أميركا فى أواخر عشرينات القرن الماضي واستمرت الى ثلاثينات القرن الماضي.

هكذا وبعد كل تلك الخسارات والأحداث الكارثية يبدو أن الكتل السياسية المتصارعة قد استعادت وعيها، وأصبحت بالتالي تؤكد على مبدأ المواطنة، وتخرج من تحت مظلة التخندق الطائفي. فمن المعروف أن التنوع الديني والطائفي والاثني ليس مقصوراً على العراق، فالتنوع قاعدة الخلق، والتعددية سنة الحياة، وليس هناك مجتمع أو دولة صافية الديانة أو الطائفة أو القومية، ولهذا فليس ثمة فكاك من التعايش القائم على قبول الآخر المختلف لضمان استمرارية الحياة وتحقيق المصالح. إلا أن ما حصل في المجتمع العراقي هو اشتداد الصراعات بين مكونات الشعب، فزعم كل طرف بأنه نال من الاضطهاد والمظلومية والتهميش أكثر من غيره، فأصبح له الحق أن ينال حقوقه والاعتراف بوجوده، وكان من الطبيعي أن تعمل هذه الصراعات على تمزيق ما تبقى من النسيج الاجتماعي العراقي بدلاً من الارتكان الى العقلانية وعدم الخوض في مجادلات بيزنطية بشأن قضايا جوهرية مختلف عليها بخاصة مشكلة كركوك وقضية الفدرالية، وتبقى القضية الأخطر هي تدخل دول الجوار في الشأن العراقي التي تعمل على تأجيج الصراعات بين الكتل السياسية في مسعى منها لكي لا ينعم العراقيون بالأمن والاستقرار، وبالتالي إفشال إجراء الانتخابات النيابية المزمع إجراؤها في شهر آذار المقبل.

وأمام ذلك فليس على العراقيين إلا التوجه الى صناديق الاقتراع وانتخاب القائمة التي يرغبون بالتصويت عليها، وبهذا الموقف يكون العراقيون قد أسهموا مساهمة إيجابية في إفشال المخططات الخارجية لتعطيل العملية السياسية، ولا بد في هذا الصدد التأكيد على أن إجراء الانتخابات النيابية يشكل منعطفاً عظيم الشأن في تقريرمستقبل العراق السياسي. برغم أن الشارع العراقي بات يتحدث سلبياً بشأن عدم المشاركة في الانتخابات المقبلة نتيجة مايصفة بالاخفاقات التي حصلت والتي قادت الجمهور العراقي الى أن يفقد ثقته بالعملية السياسية، وهذا موقف مسرف في تطرفه وعلى الناخبين العراقيين أن يدركوا بأن لكل مرحلة تاريخية انتقالية خساراتها فتشهد بالتالي صراعات وتصفيات بين الأحزاب السياسية حتى تهدأ العاصفة مثلما جرى أثناء الثورتين البلشفية والخمينية على سبيل المثال. أجل، ليس من خيار أمام الكتل السياسية إلا أن تلجأ الى تغيير خطابها والتأكيد على مبدأ المواطنة بغض النظر عن قومية هذا المواطن وطائفته وإثنيته، وبهذا الخصوص لنأخذ التجربة الأميركية، فأنت تجد أن أميركا لا تقول بأن اللاجيء والمهاجر إليها قد اكتسب الجنسية الأميركية وإنما تقول أنه اكتسب المواطنة الأميركية.

دعونا نعود الى حديث المفكرة الألمانية الأصل والمواطنة الأميركية (هانا غريه) عندما سألوها: هل تعد الولايات المتحدة الأميركية بوتقة melting pot أم وعاء السلطة salad bowl?، فقالت بأن السؤال هذا يعد موضوعاً له الأولوية في أجندة الأمة الأميركية للقرن الواحد والعشرين، وأوضحت بقولها: لو كانت بوتقة كما وُصفت في السابق فإن باستطاعتها مقاومة تغييرات السكان الرئيسة في القادم من الأيام، وتقول أنه برغم التغييرات التي طرأت على نسبة المواطنين البيض والسود والاسبان والآسيويين، فإن النتيجة ستكون خليطاً من عناصر متعددة يمكن امتصاصها والإسهام بشيء ما هو أميركي بصورة مميزة، ولكن ماذا لو أن أميركا بدلاً من ذلك تصبح وعاء السلطة إذ يظل عدد من المقومات الإثنية منفصلة وغير منسجمة؟ ترى (هانا غريه) أنه بدلاً من وجود أمة مكونة من عدة قوميات فالنتيجة ستكون مجموعة من الجماعات الفردية لا يوجد هناك الكثير لربطها وجمعها معاً، والأمر الذي تتيقن منه (هانا غريه) هو أنه سيكون هناك تغيير هائل داخل المزيج الإثني للأمة الأميركية، وأن ما يقلقها هو فيما إذا كانت أميركا مهيئة لمواجهة كل من التغيير وتطبيقاته، وترى أن ما جعل الأمة متماسكة معاً في الماضي هو التوقع بأن هناك مجموعة مشتركة من المعايير مهما كانت صعبة لترجمتها التي تنظم المجتمع، وهذه المعايير تتضمن التزاماً بنظام القانون وبالحكومة الدستورية يُشعر الناس بأنها تخاطبهم جميعاً بطريقة متشابهة وجوهرية، ولكن إذا كان الناس ليست لديهم الثقة بأنظمة القانون وبالحكومة لأنهم لا يختبرون منافعها، فعند ذاك فالميثاق بينهم يمكن أن يختفي.

وتعتقد (هانا غريه) أنه مع حلول منتصف القرن الواحد والعشرين تصبخ الحاجة ملحة للتحرك الى أبعد مدى فيما يتعلق بأجندة العرق وقضايا السكان المتصلة، والسؤال هو: كيف باستطاعة الأمة التحرك الى الأمام بقدر ما يتعلق الأمر بهذه القضايا؟ وتجيب (غريه) على ذلك بقوله أن هذا يعتمد على التعليم وعلى مستوى التعليم الجامعي على وجه الخصوص.

ومن كل ذلك نتوصل الى نقطة جوهرية تتعلق بالمواطنة العراقية بعد القفز من فوق متاريس الطائفية والعرقية والقومية، فما هو تعريف المواطنة؟ فقد جاء في دائرة المعارف البريطانية أن المواطنة تمثل عضوية كاملة تنشأ من علاقة فرد ودولة كما يحددها قانون تلك الدولة وبما تتضمنه تلك العلاقة من واجبات مثل دفع الضرائب والدفاع عن البلاد وبما تمنحه من حقوق كحق التصويت وحق تولي المناصب العامة في الدول، وعلى هذا الأساس تصبح المواطنة من أشد أنماط عضوية الفرد اكتمالاً في الدولة الحديثة، وهي هنا ليست صورة بائسة لانتساب صوري بين المواطنين ودولتهم بقدر ماهي كينونة لجنس العلاقات المرابطة بين الفرد وبالتالي المجتمع الذي ينتمون إليه.

ولما كان العراق لم يستوف بعد شروط إقامة الدولة الحديثة القائمة على مؤسسات المجتمع المدني وما يزال خاضعاً للقرارات الأممية التي ما تزال تضع العراق رهين الفصل السابع من قرارات الأمم المتحدة نتيجة قيام النظام السابق بغزو الكويت وعدم ترسيم الحدود بين العرق والكويت، وبين العراق وإيران، وهذا يعني أن السيادة العراقية مخترقة نتيجة ذلك، وستكون الانتخابات النيابية المقبلة هي الفيصل لحل هذه الإشكاليات الملتبسة والجائرة لرسم صورة لدولة عراقية تتمتع بجميع معايير الدولة الحديثة، وتغيير الخطاب السياسي بمنأى عن المعايير الطائفية والإثنية، والتركيز على المواطنة والهوية الوطنية، وهذا يتطلب إجراء تعديلات في الدستور وتنقيح بعض بنوده.

ومن ذلك فقد سعى (ديريك هيترز) في كتابه (تاريخ موجز للمواطنية) الى أن يؤرخ للمواطنية التي عدها بأنها تحدد علاقة الفرد ليس بفرد آخر كما هي الحال بالنسبة الى الأنظمة الإقطاعية والملكية والشمولية، ولا بمجموعة كما في القومية، ولكنها تحدد علاقة الفرد بفكرة الدولة التي يصبح فيها الأفراد مستقلين ومتساوين في أوضاعهم الشرعية، وهذا ما يولد فيهم الإحساس بالمسؤولية، ويكرس انتماءهم الى الوطن.