عقم وكذب.. وأمل  
   

 عمار السواد

30/7/2009( الصباح )

 
   

 

النتائج المتسربة من ماكنة الأحزاب وبعض المنظمات المعنية تقول أن قائمة التغيير التي يتزعمها نوشروان مصطفى تمكنت من الحصول على حوالي الربع من مقاعد برلمان إقليم كردستان.. البعض يشكك في قيمة ما حصل، باعتبار أن مصطفى هو جزء من نمط سياسي قائم، كونه انشقاقاً من الأحزاب الرئيسية. هذا صحيح، ولكن ما حصل يدل على نمط جديد من الوعي لدى الناخب الكردي، وعي يبحث عن التغيير، وهذا الأمر أنتج حزباً ثالثاً الى جانب الحزبين الرئيسين. وهذا لوحده خطوة مهمة نحو إعادة بناء الوضع السياسي في البلاد، وتحذير صريح من الناخب بأن التغيير يمكن أن يحصل.

فكردستان منذ عام 1975 تدار في فترة الجبل وفي مرحلة المدينة والحكم من قبل حزبين، إلا أن هذه المعادلة انتهت، حيث ظهر حزب آخر لا يقل قوة عنهما. وهذه المعادلة لم تتغير بمجرد حصول الانشقاق، كما كانت الأحزاب في المعارضة السابقة تنشق على نفسها، بل تغيرت هذه بميول فرضتها شريحة كبيرة من الناس.

ما حصل في كردستان سبقه بشكل أخف مجريات انتخابات مجالس المحافظات، عندما تغيرت خيارات أكثر الناخبين من التوجهات العقائدية الى التوجهات العملية، وبات "خيار الدولة" لديهم بديلاً عن "خيار العمامة". فالتغيرات التي حصلت، سواء كانت واسعة أو محدودة، هي بدايات مهمة وجدية نحو مزيد من التحول.. لأن الناخب أصبح يخيف النخبة، والنخبة السياسية أصبحت أمام استحقاق تغيير مزاج الناخبين وتوجهاتهم وأولوياتهم.. والحراك الأخير الذي يدور تمهيداً لانتخابات مجلس النواب المقبل، والبحث عن اصطفافات جديدة خير دليل على إدراك الساسة أن إمكانية حصول انقلاب في رأي الناخبين أمر ممكن. وإن الغش والتدليس والعقائد ليست مؤثرة الى الأبد. وأيضاً من المؤكد أن ما حصل في كردستان سيدفع القوى الحاكمة الى البحث عن التغيير.

غير إن التغييرات على مستوى المركز أو الإقليم أو المحافظات لن تكون دائمة التأثير، إذا بنيت على أساس الخداع والغش الوعود الكاذبة، بل إنها ستكون كذلك إذا كانت حقيقية وصادقة.

ونحن بانتظار الانتخابات المقبلة، سنرى كيفية تعامل القوى السياسية معها.. سنرى طبيعة التحالفات، وطبيعة البرامج... لنحدد ما إذا كانت القوى السياسية تبحث عن التغيير الحقيقي اعترافاً منها بالخطأ، أم إنه مجرد تغيير في الشكل هدفه خداع الناس. ومن المهم في هذا الإطار تحديد موقف صريح وعملي من الفساد الإداري والمالي والسياسي، فما حصل في قضية وزير التجارة أثار علامات استفهام وشكوكاً حول الحكومة والبرلمان.. غير إن المسؤولية الملقاة على عاتق الساسة العراقيين لا تعفي الشعب العراقي في المركز والمحافظات وإقليم كردستان من مسؤولياته، فهناك أخطاء وقلة وعي وانسياق وفشل بلغ في الكثير من الأحيان الى حد العقم عن افراز تشكيلات جديدة برؤى وتصورات حديثة ومختلفة. وإذا كان الشعب هو السبب المباشر في هذا الفشل، فإن النخب المثقفة والباحثين عززت من هذا الفشل، عندما تعاملت مع الشعب انطلاقاً من مسلمة مفادها أن الشعب العراقي سيدرك الحقيقة لوحده وسيكون قادراً على تغييرها لوحده لأنه شعب ذكي وواع، في حين أن من يقرأ التاريخ العراقي الحديث يدرك أن هذه المسلمة نابعة من الغرور بعظمة شعب شوهته عقود من الفقر والجوع والاستبداد والأيدلوجيا والحروب، هذا الغرور الذي جعلنا ننظر الى أنفسنا وكأننا اذكى شعوب العالم وأفضلها باعتبارنا ورثة الحضارات القديمة، ما هو إلا سوء تقدير لحقيقة الأمور التي تقول إن هناك خللاً في هيكليتنا الثقافية والحضارية والسياسية، وهذا الخلل بحاجة الى إصلاحات جذرية.. فنحن العراقيين بحاجة الى نصنع من جديد.. التغييرات التي حصلت هي أمل في إمكانية إصلاح الحال، غير أنها تبقى تدور ضمن سياق الموجود والمتاح الذي يبرز أمام أعيننا، أما التغيير الحقيقي فهو أن نقوم كشعب بالمساهمة في صنع خياراتنا.. وللنخب المثقفة دور مهم في انهاء حالة العقم السائدة وصناعة الخيارات.