الحوار الوطني.. ضرورة استراتيجية  
   

 عباس عبد الرزاق الصباغ   

5/12/2009  ( الصباح )

 
   

 

تفعيل الحوار الوطني كخارطة طريق نحو استرداد العراق عافيته يعد ضرورة وطنية ستراتيجية مرحلية ملحة عن طريق التفعيل الصحيح والعملي الملزم للأطراف التي يؤلف أداؤها السياسي التوصيف العام للمشهد السياسي العراقي وكوصفة علاج للخروج من الأزمة العراقية التي توصف بالراهنة وهي ليست راهنة بالمعنى الزمني الفيزيائي المجرد (كمرحلة راهنة) وبالوصف التاريخي السطحي والمجرد.

إذ لا بد من دراسة المسألة العراقية من جميع جوانبها التاريخية والسياسية والجغرافية والديموغرافية والاثنية..إلخ للتوصل ـ فعلاً ـ الى علاج فعال وناجع لكون الأزمة العراقية لها أبعاد هرمية كثيرة ومتشعبة وعميقة (طائفية، سياسية، قومية، دينية، عرقية، إثنية...) لكنها بمجملها لم تصل بالشأن العراقي، يوماً ما، الى درجة الانفجار والتلاشي برغم وجود احتقانات آنية ومرحلية وهي احتقانات مزمنة في الوقت ذاته.

 وقد كان الأسلوب "التوافقي" الذي اعتمد كأحد الأسس لقيام العملية السياسية، يمثل أحد مظاهر تلك الاحتقانات وفي  الوقت نفسه صار جزءً من المشكلة أو من مجموعة المشاكل التي تعصف بالعراق وتعرض مستقبله للخطر ومن غرائبية نتائج المنهج هذا، نظرية وتطبيقاً، أنه يؤدي الى تشتت وتشرذم غير مقبولين حتى في الدرجات التي تحسب على السلوك الديمقراطي كأسلوب حضاري للأداء السياسي الذي يمارسه الداخلون في أية عملية سياسية حتى تلك التي توصف بالصورية وصولاً الى حالة أخرى هي غير مقبولة أيضاً تكمن في التشرذم النوعي الداخلي لبعض الكتل مع الأخذ بالحسبان إن هذا الأسلوب كمقياس نوعي وكمي يعد دليلاً دامغاً على تشرذم قد يكون في أطواره الأولى من التأسيس السياسي غير مرئي أو محسوس لكنه في نهاية المطاف يتحول الى داء عضال لا يمكن الشفاء منه بعد أن تتحول المؤسسة الوطنية (الجامعة لكل الفعاليات والنشاطات السياسية) الى مجموعات متنافرة سواء على المستوى السياسي النخبوي أو على مستوى الشارع او الرأي العام.

إن الواقع  العراقي أكبر وأهم بكثير من جميع الإئتلافات والتحالفات والتكتلات وكذلك الدعوات الرامية الى إجراء "مصالحات" من أي نوع، وأكبر من تلك الدعوات الرامية الى تهدئة الأوضاع الكوارثية بجرة قلم أو عن طريق دعوة مجانية الى (تحريم) الدم العراقي او إجراء مصالحات شكلية، والكثير من هذه الدعوات بغض النظر عن نيتها أو مقصدها في هذا الطرح لم ترتق ِِ يوماً إلى المستوى التعبوي الشعبي والقواعد الجماهيرية، ولم تخرج عن النطاق الشعاراتي الدعائي إلا ما ندر، وبعبارة أخرى، أن التوترات التي يصطبغ بها المشهد السياسي العراقي أكبر بكثير من كل ما تقدم فهو يحتاج الى خطوات عملاقة تتناسب مع خطورة وأهمية المرحلة وتداعياتها الوعرة.

ومن أهم هذه الخطوات إجراء حوار وطني شامل يشترك فيه الجميع (عدا من أجرم بحق الشعب العراقي) وتأخذ جميع الآراء والتوجهات بنظر الاعتبار وعدم تهميش أو إقصاء أو استبعاد أي مكون من المكونات أو جهة من الجهات أو فئة من الفئات بغض النظر عن الحجم السكاني أو الاتجاه أو التأثير أو التمثيل البرلماني، وتفعيل هذا الحوار لمصلحة العراق ككل تفعيلاً عملياً وإجرائياً بعد دراسة جميع أسباب التوترات والاحتقانات والتشنجات (ومنها المسألة الطائفية على سبيل المثال) دراسة موضوعية بعيداً عن لغة المهاترات، وتبادل التهم، وتخوين الطرف المقابل أو اتهامه بموجب نظرية العمالة وبعيداً، أيضاً، عن تغليب المصلحة الخاصة الضيقة والجزئية لأي مكون أو جهة، وبعيداً عن الصيغ الإنشائية والمقلوبة ضمن أطر سفسطية جاهزة تدعو بشكل رومانسي الى أمور لا يمكن  تحقيقها بالتصريحات الرنانة فقط، ولأهمية المسألة الطائفية، يجب أن تعقد مؤتمرات (جدية وعملية) للتقريب بين المذاهب والأديان تقوم على إشاعة روح التسامح والتآلف والانسجام بين المتحاورين أو الأطراف المعنية لينسحب ذلك على الشارع العراقي الذي عانى كثيراً من التمزق خصوصاً وأن المسألة الطائفية وإن كانت دون الخطوط الحمر المؤدية الى الحرب الأهلية ليست مستجدة على الواقع العراقي ولها جذورها الغائرة في أعماق التأريخ وقد استغلت هذه المسألة استغلالاً سلبياً بشعاً في العهد العثماني، ولم تكن غائبة عن أعين مؤسسي العراق الحديث سنة 1921، وكان الهوس الطائفي واضحاً في أغلب الحكومات التي تشكلت فيما بعد لا سيما إبان النظام البائد كون تلك الحكومات قامت على أسس غير عادلة من التمايز الطائفي الفاضح (وكذلك التمايز القومي والديني والعنصري...)، ومراجعة بسيطة للمصادر التي تتناول تاريخ العراق الحديث والمعاصر يتجلى ذلك بوضوح.. ومن الطبيعي أن تحدث تلك السياسات شروخاً وتصدعات مستديمة في النسيج الوطني وجروحاً لا تندمل بسهولة وهنا يأتي الدور الاستراتيجي للحوار الوطني عن طريق مؤتمرات التقريب ليس فقط للتقريب على المستوى الطائفي بل على جميع المستويات باعتبار إن الأزمة العراقية أزمة مركبة ومعقدة ولم تكن على مستوى واحد.

إن الديكتاتوريات السابقة وطيلة العقود المنصرمة كانت لها تأثيرات كوارثية على مجمل الشأن العراقي وليس من السهل معالجتها بجملة من القرارات أو التوصيات أو الأمنيات التي تصدر من أي مؤتمر أو تجمع أو اتفاق ثنائي أو جماعي أو من أية مبادرة مهما كانت إذا لم يكن الشعب العراقي  مستعداً لها باعتباره المعني الأول بها أو يجب أن تحظى بقبول وطني عام وبشرعية دستورية.

إن أمام الكتل المنضوية تحت خيمة العملية السياسية الكثير مما يجب تقريره وعمله ومن خلال الحوار الوطني ذاته وصولاً الى إجماع وطني حقيقي متماسك في عموم  المسائل والقضايا المثيرة للجدل أو التي تحظى بقبول توافقي عام فيجب أن تؤخذ من منظار وطني عام وتراعى فيها المصلحة العليا للبلد.