مقال (طهران تايمز) اليتيم!  
   

 كريم عبد  

31/12/2009 ( الصباح)

 
   

 

على صفحات جريدة (الصباح) وفي صحف عراقية أخرى، قرأنا خلال الشهور الأخيرة، العديد من المقالات المستغربة أو التي تنطوي على شيء من الدهشة من مواقف إيران السلبية إزاء العراق، تلك المواقف التي ألحقت وتلحق المزيد من الأضرار بالعراقيين دولة وشعباً.

ومنها تحويل مجرى الأنهار التي تنبع من إيران وتصب في الأراضي العراقية منذ مئات السنين، وهي سابقة تاريخية لم تَقدم عليها أية حكومة سابقة حتى في أوج الأزمات التي شهدتها العلاقات بين البلدين، ناهيك عن إن تحويل مجاري الأنهار هو مخالفة صريحة لإرادة رب العالمين سبحانه وتعالى الذي جعل للطبيعة قوانينها وفقاً لحكمته في توزيع خيراتها على البشر، بالإضافة إلى كون ذلك مخالفاً للقوانين والأعراف المعمول بها دولياً، كما أنه بادرة لا تأخذ بنظر الإعتبار مصالح إيران الكبيرة في العراق. ولم تنفع جميع مطالبات العراق في التراجع عن هذه الخطوة التي ألحقت أضراراً مباشرة بالتوازن البيئي وبمصالح آلاف العوائل العراقية التي هجرت قراها ومناطقها جراء ذلك!!

ثم لم يكد الحديث ينتهي عن المشروع الإيراني المثير للقلق في إنشاء مفاعل نووي جديد قريب من حدود العراق!! حتى فاجأتنا السلطات الإيرانية بإحتلال منطقة الفكة العراقية النفطية، وإنزال العلم العراقي ورفع العلم الإيراني مكانه!! وما يعنيه ذلك من إنتهاك للسيادة الوطنية وتوتير جديد للأجواء الإقليمية التي لا تنقصها مثل هذه المبادرات الغريبة!! وخلال السنوات الست الماضية تحدثت العديد من التقارير الرسمية وغير الرسمية عن التهريب المستمر للأسلحة والمتفجرات من إيران إلى العراق، والكثير منها مكتوب عليه (صنع في إيران) وهو من إنتاج حديث، وما تركه كل ذلك من إنعكاسات سلبية على الوضع الأمني المضطرب في العراق. ولنتساءل الآن، هل مواقف إيران السلبية إزاء العراقيين جديدة؟! بمعنى هل جاءت بعد سقوط النظام السابق واختلاط الأمور ببعضها ؟! الإجابة: لا، طبعاً. الاجابة الحقيقية يعرفها عشرات آلاف العراقيين الذي أضطروا للهرب إلى إيران خلال فترة الدكتاتورية وجراء معارضتهم لسياستها وخصوصاً معارضتهم لحرب صدام الظالمة على إيران، والدليل وقوف الكثيرين منهم إلى جانب إيران عملياً. وهذا ليس كلاماً إنشائياً أو وجهة نظر خاصة بل حقيقة تعرفها السلطات الإيرانية أكثر من غيرها. ولكن رغم مواقف العراقيين النبيلة هذه، لم ترع السلطات الإيرانية أبسط حقوق المهجرين العراقيين آنذاك!! كانت معاناة العراقيين مريرة حقاً، وقد صمتت عنها جميع الفعاليات الإيرانية السياسية والدينية والإعلامية، ففي جميع الصحافة الإيرانية لم نقرأ سوى مقال يتيم نشرته (طهران تايمز) الإيرانية الرسمية في 24- 10 -99 وهو على كل حال ينطوي على دلالة كافية، ومما جاء في ذلك المقال ( .. ولنفكر الآن في وضع العراق جارنا على الحدود الغربية، إننا نجد الجهود منصبة للعمل على إخراج اللاجئين العراقيين من إيران، وقد أُخرج منهم حتى الآن ما يقارب 300,000 لأجئ. إلى أين خرج هؤلاء؟ هل عادوا إلى العراق؟! نعم سُلموا إلى نظام صدام!!) وتضيف الصحيفة (لقد نجحت السياسة الإيرانية في هذا المجال والذي يصب في مصير مشؤوم لهؤلاء اللاجئين!! هل هذا يدل على المقدرة والنجاح؟! أين هي الحكمة أو الدين في جعل المسلمين يصلون إلى هذه الدرجة من الإحباط نتيجة لاستنتاجات اقتصادية خاطئة؟! إن هؤلاء اللاجئين كانوا بجانبنا وقد قدموا ضحايا في الحرب التي فرضها صدام على إيران. ومن مصدر في رئاسة الجمهورية، فإن عدد الضحايا منهم بالنسبة لعدد نفوسهم في إيران يفوق نسبة عدد ضحايا الإيرانيين إلى عدد نفوسهم. وعلى أية حال - تستطرد الصحيفة - أنظر إلى التصريح الأخير للسيد حسن حبيبي معاون رئيس الجمهورية حيث يقول: (لا مجال لإقامة اللاجئين العراقيين في إيران بعد اليوم)!! وتضيف طهران تايمز (لقد وُضعت السياسة العامة لتـتبنى هذا النهج، علماً إن بعض هذه الإجراءات هي عنصرية أو منافية لأصول العقيدة أو إنها مجرد تصورات واهية، وعلى سبيل المثال، خذ الجدول المعلن من قبل وزارة العمل الإيرانية لسنة (137 ش) إذ يحدد القانون رواتب العاملين الأجانب في إيران واضعاً العراق في حقل يقابله حقل لكل من أوروبا الغربية واليابان وأميركا حيث مقدار الراتب الشهري لهؤلاء الأجانب أكبر من 700% (سبعمائة بالمائة) من راتب العراقي العامل بنفس الاختصاص. وهناك أيضاً تراجيديا مؤلمة أخرى، هي من نصيب أطفال العراقيين الذين يولدون في إيران، فهم لا يُمنحون أية مستمسكات قانونية تضمن حق تسجيلهم في المدارس مستقبلاً !! وعلى مستوى التحصيل الجامعي فالأمر أكثر تعاسة، وإذا وُجد عراقي يدرس في إحدى الجامعات الإيرانية فلا بد إنه سلك طريقاً غير مألوف لإكمال دراسته، .. ليس هناك قنوات قانونية طبيعية للذين يولدون في إيران من العراقيين في أي مجال من مجالات الحياة، فأمامهم نفق طويل مظلم لا نـهاية له) وإذا كانت كل هذه السياسات المجحفة في الماضي والحاضر، أصبحت واضحة ومعروفة، وهي بالتأكيد تثير الاستغراب وعلامات الإستفهام، فإن الأكثر غرابة، والأمر الذي لا يمكن فهمه، هو أن نجد بيننا من لا يزال يدافع عن إيران، بل وعن (مصالح إيران المشروعة) في العراق؟!.