![]() |
||||
| النزاع في كل مكان | ||||
|
فالح عبد الجبار |
28/12/2009 ( الصباح الجديد ) |
|||
|
النزاع وحل النزاعات قديمان قدم البشرية. في الذاكرة العربية الغابرة ثمة داحس والغبراء، وفي المعاصرة، تبدو النزاعات في كل مكان. ففي فلسطين دولتان أهليتان تتنازعان على الهيمنة، من دون وجود تنوع قومي، أو انقسام ديني / مذهبي. وفي اليمن، تدور حرب ضروس نابعة من انقسام قبلي ـ مذهبي - إيديولوجي. وفي أفغانستان العالم كله يحشر أنفه في معركة لا أحد يدري أين وكيف ستؤول. وبالطبع فإن حال العراق أو السودان في النزاع لا يسر أحداً. رغم قدم النزاعات فإن نظرية حل النزاع جديدة، كما أن تدريسها في الجامعات كفرع من العلوم الاجتماعية، أكثر جدة. وتعنى الأمم المتحدة، هيئة السلم الأممية هذه، بقضايا النزاع نظرية وتطبيقاً فهي المكلفة (نظرياً) بحماية سلام العالم. وعملياتها لا حصر لهــا مــن: بنــاء السلام، الى حفظ السـلام. ونظـمت الأسكوا قبل أيام سمينارا مفيداً في بيروت للخبراء لمناقشة سياسات "بناء السلام" و"منع النزاع" في منطقة محددة هي "غرب آسيا". أي المشرق العربي وجواره. النقاش في مثل هذه الملتقيات مثير دوماً وفيه بعض مفاجآت. فأولاً برغم الوضوح الظاهري فإن كلمة النزاع تبدو ملتبسة حقاً، فهي تغطي حروباً قومية (بين دول) وأهلية (بين جماعات في دولة قومية واحدة). كما تغطي أعمال عنف شتى، من الاغتيالات، الى السيارات المفخخة، الى التهديد بالسلاح. وتتجاوز العنف الى نزاعات قانونية أو دستورية أو ثقافية، الخ. الدولة في نظريات النزاع عامل أساسي في التحليل، فهناك (الدولة القوية) مقابل (الدولة الضعيفة)، ويقاس ضعف (أو قوة) الدولة بقدرتها على تنظيم العنف (الجيش)، وقدرتها على تمويل وظائفها (الاقتصاد) وقدرتها على كسب الرضى الاجتماعي (الشرعية، المشاركة، الخ)، وتمكن إضافة معايير أخرى لقياس درجة حرارة الجسم السياسي، وتقدير مدى عافيته. لكن نظرية الدولة القوية / الدولة الضعيفة التي استعملت في لقاء الأسكوا هي بحدود علمي موضع نقد شديد من أطراف عدة. لعل أبرز ناقد عربي هو البروفسور المصري الراحل نزيه الأيوبي (في كتابه: تضخيم الدولة العربية Overstating the Arab State). فهو يميز بين (الدولة الشرسة) و(الدولة القوية)، ويرى أن جل الدول العربية تنتمي الى فئة الشرسة لجهة قواها الأمنية، وإمكاناتها المالية المستقلة، فهي قادرة على سحق الخصوم، الخ. لكنها، في الآن ذاته عاجزة عن الهندسة الاجتماعية، أو عاجزة مثلاً عن جمع الضرائب، أو فرض سلطة القانون في كل زوايا البلاد (بسبب مقاومة القبائل مثلاً، الخ). بتعبير آخر الدولة الشرسة هي دولة قوية وضعيفة في آن. اعتراض آخر على هذه النظرية هو وجود حالات نزاع ناشئة عن غياب الدولة، أو الحاجة الى تأسيس دولة، فتصبح الدولة الغائب المنتظر، لا الأساس القائم للبحث فيه أو حوله. جانب آخر من نظرية النزاع يتصل بجذوره. ثمة النزعة الاقتصادية التي تركز على الصراع حول توزيع السلطة السياسية، وثمة النزعة الثقافية - السوسيولوجية التي توسع أطر النزاع خارج الحقلين الأولين، لتشمل العوامل المجتمعية. ورغم أحادية كل مقاربة، يبدو أن الميل العام يتجه الى نوع من تركيب. لكن المشكلة الأكبر إن الإطار التاريخي العام لهذه المقاربات غائب، أو بالأحرى مهمل. فالدولة المركزية الحديثة، مثلاً، يافعة ما تزال، فإن جل الدول المركزية ولد في النصف الثاني من القرن العشرين، وبالتالي فإن هذه الدول تفتقر الى العمق التاريخي، وتواجه قوة واستمرار التقاليد التاريخية ما قبل الحديثة. زد على ذلك أن نظرية النزاع تغفل مسألة هامة هي التالية: يتحدث علماء السياسة والاجتماع عن تشكيل الدولة State Building)) وبناء الأمة Nation- building) (باعتبار هذين المفهومين مترادفين، أي يقومان على التطابق العام في المعنى والمبنى. تشكيل الدولة يتعلق ببناء مؤسسات الحكم: إدارة – محاكم - جيش، ورموزه: العملة، العلم، اللغة الرسمية، الخ. السؤال: من يتولى الإدارة، ومن يندرج في الجيش، أي من يمسك بمقاليد تقرير السياسة، واتخاذ القرار، يبقى قائماً. في الدول ذات التجانس الثقافي - الاجتماعي، أي التجانس القومي، لا فرق بين "تشكيل الدولة" و"بناء الأمة"، فهما متطابقان. لكن الحال ليس كذلك في الأمم متعددة الإثنيات والأديان والمذاهب. وهذا الافتراق بين العمليتين يزداد حدة إذا كانت الهويات الإثنية والدينية قائمة، أي مسيسة. هاهنا ينفصل وجه "تشكيل الدولة" عن وجه "بناء الأمة". ولا بد لبناء الأمة من أن يعتمد المشاركة في البنى السياسية، وزارة وإدارة، برلماناً وقضاء، وهذه المشاركة شرط مسبق لتوزيع الموارد، خصوصاً في الدول الريعية، فإن انغلق "تشكيل الدولة" على هوية محددة دون غيرها، على العسكر مثلاً، في حقبة الانقلابات، أو على أسرة - قبلية في زمن الحزب الواحد، أو على جماعة إثنية واحدة (العرب دون الكرد) أو على جماعة جهوية أو دينية (السنة دون الشيعة أو العكس)، اختلت عمليات بناء الأمة. فاحتكار السلطة أو انغلاقها يفضي الى احتكار الموارد الأوسع. والنزاع، كمفهوم، ليس سالباً في كل الأحوال. فهناك نزاعات مفيدة، دستورية، أو سياسية، تذكي السجال، وتفتح ميادين غير مسبوقة للتفكير. وفض النزاعات أمر غريب. فهناك وسائل تفض بعض النزاعات بسرعة، لكنها تترك الأسباب الجوهرية قائمة، فيندلع نزاع أكبر في المستقبل. وهناك وسائل تذكي النزاعات على المدى القصير، أي تزيدها حدة، لكنها توصل في المدى البعيد، الى حلول مستقرة. لا أدري سبب الخشية الرسمية من كلمة "النزاع" عند كل الحكومات العربية، وغير العربية. الخبراء يتحدثون بأدب جم عن خطوط تصدع، والرسميون ينكرون، والباحثون يتحدثون عن اختلالات بسبب انتهاكات قانونية، والرسميون يتحدثون عن وجود الخروقات في كل مكان. يبدو نقاش الخبير مع السياسي أقرب الى حوار الطرشان: لغتان، مقاربتان، وهدفان، لا جامع بينهما. الأول يريد تحديد المشاكل بدقة الثاني يريد انكارها لا غير. ورغم عدم وجود مندوب رسمي عراقي، فإن المواقف الرسمية التي تصدر منذ شهرين وأكثر تختزل العنف الإرهابي المتصاعد الى مشكلة أمنية صرفة، سقطت من جرائها بعض الرؤوس في الجهاز الأمني - العسكري. المشكلة أكبر. وصناع القرار في طول العالم العربي وعرضه، لا في العراق وحده، بحاجـة الى قدر كبير من التواضع، لأجل الخروج من قوقعة "المؤامرة" الى رحاب نظرة مركبة، متعددة الابعاد. |
||||
|
|
||||