ألقاب اعتباطية  
   

عمار السواد 

24/12/2009  ( الصباح )

 
   

 

أظن انه لو قُدر وبُعِثَ علي الوردي من قبره لطلب منا أن نعفيه من إطلاق صفة (مفكر) عليه، لكثرة من أُطلقت عليه هذه الصفة في العراق، فقد بات المصطلح سهلاً وسريع الاستخدام في وسائل الإعلام والمحافل الثقافية، ويُعطى وساماً يعلق على صدور أناس ليس لديهم حتى منجز مكتوب واحد.. والمبرر هو ما يطرحه الموصوف بالمفكر في الفضائيات والصحف.. أو لمبرر أن لديه وجهات نظر جديدة أو جريئة، أو لأن وسيلة إعلامية تحب ما يطرحه وترتاح الى تصوراته الشفوية.

مثل هذا الاستسهال يبدو حالة عامة في العراق، فهناك عشرات الألقاب تطلق بطريقة اعتباطية وبعيداً عن تدقيق أو تعمق أو حكمة.. ففي العراق اليوم آلاف الشعراء تسعون بالمائة منهم ناظم أكثر منه شاعر...

وهناك محللون سياسيون دورهم الوحيد هو إعادة ما يقال في الشوارع والتجمعات الشعبية دون أن يمتلكوا أدوات التحليل السياسي... وهناك عشرات المطربين ممن لا يمتلكون أي مؤهل فني ووو...

لذلك يبدو هذا الزمن هو زمن الاستسهال، استسهال إطلاق الصفات الرفيعة.. هذا الاستسهال والاعتباطية في تحديد الصفات ووضعها في مكانها غير الصحيح أو المعقول على أقل تقدير، هو جزء من وضع كامل محكوم بغياب الرؤية المعرفية، ويعاني من انحدار القيم الخلقية والثقافية والسياسية والاقتصادية، ويقاد من قبل نخب ليس لديها أكثر من سياق شعبي يخرجها من قدرتها على أن تكون متميزة ومؤهلة لإدارة مهامها. وهذا شأننا للأسف، متطرفون في طريقة عيشنا وتعاملنا مع الأمور، في السابق كان هناك حزب واحد وضع على كل شيء قيداً حديدياً لا يخرج عنه، وفي الوقت الحالي تحكمنا الاستسهالات والاعتباطية.

وبالعودة الى موضع المفكر.. أعتقد أن من الضروري جداً أن نعمل على رفض استسهال هذا المصطلح، وذلك كي نحترم مفكرينا ونجعل لمفردة (مفكّر) قيمة حقيقية، غير خاضعة للمزاجيات. فمن غير المعقول أن نطلق صفة مفكر على علي الوردي مثلاً أو أي شخص آخر مقارب له، سواء في العراق أو العالم العربي، ونطلقه بنفس الارتياح على أناس آخرين لا يستحقون ذلك.

وكي لا يفهم الموضوع بشكل خاطئ لابد من توضيح أمر ما، هو إن المفكرين ليسوا مرتبة واحدة، ولا هم بدرجة واحدة من الأهمية، ولا أن آثارهم متقاربة من حيث الكم والنوع.. فهم مستويات.. إلا إن هناك مواصفات في المفكر، إنْ أردناه مصطلحاً مميزاً وذا تأثير، فمن الضروري وجود مشروع فكري لدى المرء كي يكون مفكراً، وهذا المشروع ليس في قلبه وعقله، إنما موجود على الورق ومعروف لدى بعض الناس على أقل تقدير.. عند ذلك سنكون استخدمنا مصطلحاً احترمناه وأعطيناه حقه الطبيعي وفق سياقات ما هو متعارف في العراق سابقاً وفي العالم.

وأشير الى نقطة أخرى جديرة بالتوضيح، هي أن الفضائيات تؤسس للثقافة الشفوية، فأي حديث يصدر عنها هو شفوي، ابن لحظته، لا يهتم كثيراً للإطالة أو البحث والتدقيق، بل عمله الأساس هو سرعة تقديم الرأي والخبر والتحليل في مجالاته المتعددة.. لذلك فإن ما يصدر منها هو ثقافة تأثيرها واضح على الشارع باعتبارها تعتمد على الإثارة بشكل أساس، والإثارة قد تكون مقدمة للتفكير، ولكنها بحد ذاتها ليست فكراً.