"شلغميـــون"  
   

 محمد خليل كيطان Mohamed_kliel@yahoo.com 

23/12/2009 

 
   

 

شكا أحد الأصدقاء من عدم حصوله على فرصة حقيقية للانفراد بخطيبته والبوح لها بمكنونات مشاعره، ويقول إنه كلما ذهب الى بيتها سرعان ما يتجمع أفراد أسرتها بقيادة والدها و"يشلغمون" على قلبه من دون أن يحظى بفرصة واحدة للاقتراب منها، ويضيف عادة ما تنتهي الأمسية التي لا أذكر منها شيئاً سوى بعض القصص والروايات "الشلغمية" التي يمطرني بها أبوها ويشغلني عن متعة التأمل والابحار في عيني حبيبتي الغالية.

شعرت بالشفقة على صاحبي لمرتين الأولى لأنه لم يجد فسحة للافصاح عن مشاعره والتعبير عن حبه.. والأخرى لأنه يتعجل الدخول الى معترك الحياة الزوجية التي قد تكون في الكثير من تفاصيلها "شلغمية" ليس إلا.

والحق فإن ذكر الشلغم يستحضر أمامي الكثير من صور الأسواق والأحياء الشعبية العراقية قديماً تلك التي زخرت بالعديد من الباعة والكسبة الثابتين والجوالين، فبعضهم باع الطعام، وآخرون عرضوا لعب الأطفال، وغيرهم امتهن تقديم خدمات بسيطة.. ولكل كانت له صيحة ينادي بها على بضاعته، أذكر أن أعلاها كانت صيحة بائع الشلغم أو (اللفت) كما يعرف في بلدان أخرى.

(مايع من حلاته) كان يقولها رجل ربوع بحنجرة مدوية يجبرنا برد الشتاء على أن نلوذ بعربته ونتحلق حول دفء بخار قدر الشلغم .

ولقد أكد باحثو عصر الإنترنت أن للشلغم فوائد كبيرة قد لا تصدقونها، أولها أنه مهدئ للأعصاب، ومجدد لنشاط الجسم، ومزيل للتعب والوهن كما أنه غني بسلسلة طويلة من المعادن والعناصر المفيدة كالفسفور والكالسيوم والبوتاسيوم والمغنيز والكبريت واليود وحتى الحديد والنحاس!!

ولولا خوف العلماء من استخدام الشلغم في تخصيب اليورانيوم واغناء برامج التسلح النووي والتسلل الى أراضي دول الجوار، وتهديد الأمن ونهب الثروات، لأعلن المختصون أسراراً أخرى للشلغم قد يكون بعضها نافعاً لسياسيين يتاجرون بدمائنا سعياً لأستقطاب أصوات الناخبين والذين تتفجر منهم الوطنية على حين غرة تزامناً مع تفجيرات القتل الجماعي لمساكين من أبناء هذا الشعب.

وجاء وصف العراقيين للشخص الذي يدس نفسه في مكان وزمان غير مناسبين من دون أن يقدّر الظرف ويحسب حساباً لمتطلبات وحاجات الآخرين بالقول: أنه (مشلغم) تماشياً مع ما يتركه الشلغم من مشكلات وثقل في المعدة برغم فوائده الطبية المزعومة.

فبعض أعضاء مجلس النواب الذين "شلغموا" على أفئدة الناس لأربع سنوات ما زالوا يحلمون بالاستفادة من آلية التصويت على طريقة القائمة المفتوحة ـ المغلقة والاستحواذ على أصوات الناخبين من خلال جني فتات أصوات الأسماء الكبيرة أملاً  ببقائهم "مشلغمين" تحت قبة البرلمان.

وبما أن أثر الشلغم إيجابي على الخلايا العصبية كما أسلفنا لذا أدعو السياسيين المتصارعين على المناصب السيادية المقبلة الى تناول كميات كبيرة منه قبل بدء الحملات الدعائية لبرامجهم الانتخابية، وتجنب استخدام لغة الصراخ والتلاعن، واستعارة مفردات سائقي (الكيات) التي أمست مصطلحات سياسية لها مغزى مؤثر عند بعضهم، أولئك الذين كانوا سيركنون الى سلق الشلغم فحسب لولا تدخل العناية الرسمية والامتيازات الخاصة، التي ستتيح لهم تأمين مستقبلهم وافتتاح معارض لبيع السيارات بدلاً من بيع الفرارات.