![]() |
||||
| جائزة لأوباما أم لسياسة أميركا؟! | ||||
|
د. فائز الشرع |
19/12/2009 (الصباح) |
|||
|
لم يعلق وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس على استغراب الصحفي الذي تساءل عن مناسبة اجتماع الرئيس الأمريكي مع مجلس الحرب، لمناقشة إرسال المزيد من القوات إلى أفغانستان لمواجهة تزايد خطر حركة طالبان كما تؤكد المخابرات الأمريكية بعد ساعات من نبأ منحه جائزة نوبل للسلام. ولا نريد أن ننزع من أوباما أحقيته الذاتية في نيل هذه الجائزة، التي عجز هو شخصياً عن الإحاطة بمسوغات منحها حين أعلن استغرابه لوقوع الاختيار عليه لنيل الجائزة، واعترافه بأنه لا يستحقها إذا ما قورنت أسباب المنح بالدواعي التي نال من سبقه الجائزة بموجبها، فضلاً عن تبرعه بقيمتها البالغة 1,4 مليون دولار إلى المؤسسات الخيرية، وقد يدخل كل ذلك في باب أدب التواضع الذي يمتاز به الرئيس الأمريكي، ذو السطوة الخجول في التعامل مع مقتضيات هذا المنصب، لكونه الأول من أبناء جلدته الذي يصل إلى ما وصل إليه، وهذه الأحقية ليست بعيدة عن رغبته في السعي لتحقيق السلام ورغبته في ميله إلى تبني منطق حوار الحضارات بدلاً من صدامها، ورغبته في الحد من انتشار الأسلحة النووية ومساندته للجهود التي تخفف من الاحتباس الحراري، وغير ذلك مما يحسب لإدارته الجدية، ولكن هل يجري ذلك بغير إرادة أمريكية يتزامن حراكها مع حاجة قومية للوجود والتأثير الأمريكي في العالم، واستجابة لظروف لم تعد سياسة الصدام صالحة ومناسبة لها؟ الجائزة التي رحب بها عدد كبير من زعماء العالم، وأغرب من استجاب لها بايجابية الزعيم الكوبي المعتزل فيدل كاسترو، يمكن أن تأخذ منحى آخر في احتساب الاستحقاق، على الرغم من غياب براءة النية الصانعة للسلام وعفويتها، أي أن تكون الجائزة ممنوحة إلى استراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية الجديدة، مرموزاً لها بالرئيس أوباما، وهو يكمل مع إدارته المسيرة التي رسمت خارطتها الجديدة عبر استعمال القوة في العهد الجمهوري في ولاية الرئيس بوش، ومن ثم لا بد من حصد المكاسب على نحو هادئ انتظاراً لدور جديد قد تتغير الاستراتيجية بموجبه لتتم العودة إلى استعمال القوة إن لزم الظرف. هذا يعني أن إدارة أوباما بحاجة إلى السلام لتكريس المنجز الذي صنعته الحرب، إنها الآن تعمل ما يعمله الحداد من غمره حدوة الحصان في الماء بعد مرحلة التسخين المفرط (الإحماء) والطرق اللازم لاتمام الشكل النهائي على وفق المقاس الذي أراد، إذ عالج صلابة الحديد ـ بالنار والطرق ـ ليمنح النتيجة المطلوبة ويعيد الصلابة الى الشكل المحتار بالماء، ويبدو أن الجائزة جاءت على الرغم من أن أصوات أزيز التبريد (وأشيشه) مازالت تتصاعد بانتظار التبريد، فأفغانستان تنشغل بالانتخابات التي يراد لحركة طالبان المتطرفة ـ وأصل الداء وحجة التغيير ـ أن تكون لها مشاركة في السلطة لا الاستحواذ عليها، لينزاح المشروع من محاولة اجتثاثها إلى ترويض إرادتها، وبصرف النظر عن النجاح في ذلك أو الفشل فإن بوصلة الحدث في أفغانستان تغيرت من منطق محاربة المحتل وإخراجه وإقامة إمارة سلفية إلى منطق البحث عن وسائل أخر غير العنف للوصول الى السلطة والانشغال بلعبة الانتخابات السلمية ومحفزاتها ومنغصاتها كالانشغال بتزوير الانتخابات وغيرها من المشاغل البعيدة عن العودة إلى المربع الأول حيث منطق (الاحتلال ـ المقاومة )، ولا يعني هذا ترك تجربة طرية من دون ضبط لذا فإن الوجود العسكري الأمريكي المعزز بحلف شمال الأطلسي لابد أن يحرس التجربة ويعزز من هذه الحراسة بالقدر الذي يناسب نوع العدو ـ أي القاعدة ـ وكونه الأصل الذي أنتج العنف الحديث بصفته الجهادية، وما يضمنه هذا الوجود المسلح الموسع من مصالح مستقبلية في المنطقة حيث محاصرة ما يعد خطراً على المصالح الغربية في الشرق الأوسط، وترتيب نسب القوى فيها كالتجربة النووية الإيرانية، ومراقبة الوضع القلق في باكستان وغير ذلك مما يعد حافزاً لاستمرار هذا الوجود المسلح وتعزيزه. وفي العراق أخذ لمعان عملية الصدمة والترويع وسخونة ما أثارته من حرائق يخفت وتيار المواجهة تحت كثير من المسميات والممارسات ينحسر، وصار صراع (الداخل ـ الداخل) والتنافس بين أطرافه هو الملمح الرئيس من المشهد على الأرض، إضافة إلى النتائج الايجابية التي لا يخفيها الغربال للنظام الديمقراطي مهما كانت عيوب الممارسات في ظله في حال استمر وتطور، وهو ما يتم الحرص عليه إلى جانب الأهداف الاستراتيجية الأخرى من الإقدام الأمريكي المنفرد على تنفيذ فوضى الصدمة والترويع الخلاقة، الانشغال الآن صار متجهاً إلى مراعاة شؤون الانتخابات ومراقبة أداء كل فريق للآخر سعياًَ لتحجيمه أو طلباً لمنفعة الإعجاب الانتخابي وحصد نتائجه، بدلاً من التفكير بمنطق الانقلابات والرغبة الغريزية في الاستحواذ على كل الإرادات وسحقها تحت ضغط إرادة أحادية تبني الذات بهدم كرامة الآخر، كما لم تعد اسطوانة التحرير التي تخفي تحتها محاولة استعادة الأمس المنقرض أو فرض يوم ملطخ بدماء العبيد لإبهاج شراهة الأسياد، وعليه فإن الولايات المتحدة في العراق أخذت في زمن التبريد في عهد أوباما تنسل إلى موقع الرعاية والمراقبة والشراكة ولو في توجيه الإرادة تاركة موقع المواجهة وبناء أنموذج جديد على أنقاض أنموذج متهرئ. ملفات كثيرة تفرض منطق الحوار أو النبش على مهل بانتظار فرصة تحقيق الانهيار للخصم فضلت فيها الاستراتيجية الأمريكية التهدئة بوجه جديد وعلى وفق منطق شكلي جديد يمثله الرئيس أوباما ظاهراً وباطناً، كالقضية الفلسطينية التي وجدت مساراً داخـلياً يحرفها عن الهدف الرئيس وصار حل ما هو جانبي في المسيرة بعهدة أطراف عربية كمصر وسوريا والأردن فضلاً عن السعودية، في حين محاور الإرادة الدولية سائرة على منطق إحراق الوقت بدلاً من إحراق المواقع وصولاً إلى الحل. ملفات أخرى بحاجة الى تهدئة كملف الدرع الصاروخي ومواجهة روسيا وملف كوريا الشمالية والصراع الاقتصادي الخفي مع الصين بعد انخفاض وتيرته مع اليابان ونمور آسيا كل هذه الملفات ـ وما خفي أعظم ـ تجعل من السلام شعاراً للتحرك الأمريكي في إدارته الجديدة فهل كان منح الجائزة، على وفق الأخذ بالظاهر، للرئيس أو للاستراتيجية الجدية الملبية للاحتياجات الملحة للسلام؟! |
||||
|
|
||||