أسئلة الوطن المفتوحة  
   

   إياد محسن  

 25 /11 /2009 ( الصباح )

 
   

 

الشعوب الحية هي التي تقوم, وفي نهاية كل مرحلة تعيشها, بعملية تقييم شامل, وتفتح أبواب التساؤلات الجريئة, أين تكمن مواطن الصواب؟ وما هي وسائل ديمومتها وبقائها؟ ما هي أسباب الفشل والطريق الذي يمكن سلوكه لتفاديها في المراحل اللاحقة؟

ما حدث بعد 9/ 4/ 2003 هل سار كما كان مرسوماً له؟ وهل كان بمستوى الطموح في مجال السياسة والخدمات والتعايش السلمي بين المكونات؟ المعارضة السياسية للنظام الشمولي, وأبناء الداخل, هل أدى كل منهم دوره.. قطارنا نحن أبناء هذا الوطن هل يسير على جادة الصواب؟

تقول النخب السياسية.. أن الكتاب والمثقفين مارسوا عملية النقد اللاذع، وأشاروا الى الإخفاقات, وقلما كانوا يشيرون إلى مواطن إيجابية, جزء كبير من نخبنا المثقفة وعامة الناس تقول أن الأداء السياسي لم يكن بمستوى الطموح, وأن السياسة لم تعدو كونها أداة لاستغفال الشعب, ووسيلة لبناء طبقة سياسية مرفهة وسط جماهير وصل استياؤها حد الكفر بالسياسة وروادها.. كلما ظهرت مشكلة في الواقع السياسي, الذي يشكل والى حد ما انعكاساً للواقع الاجتماعي, تسعى الكتل لإيجاد الحل, وبعد فترة نكتشف إن الحل أضحى بذاته مشكلة معقدة تحتاج الى حلول, فمثلاً كانت جميع الأقليات تسعى لإثبات الوجود ولم يكن الحل سوى ترك خيار حكم الأكثرية وتشكيل حكومة شراكة وتوافقات, سرعان ما لمسنا حجم الكوارث التي سببتها على مستوى إدارة الدولة العراقية وصناعة القرار فيها.. مجالس الصحوات كانت حلاً لمشكلة الطاقة البشرية, التي لا بد من احتوائها وتحويلها من حاضنة للإرهاب الى كونها ساندة لأمن البلد وحمايته, هذا الحل تحول الى مشكلة وصار الملف محلاً للشد والجذب بين الكتل والمكونات.. الدين وفي بعض المواقف استخدم لإثارة التناحر وإراقة الدماء.. وفي مواقف أخرى لتحقيق الأمن وصيانة الأرواح... المشكلة تولد الحل والحل يمثل المشكلة, فهل كان الخلل بالآليات المتبعة في معالجة الملفات أم إن الواقع العراقي.. هو كما هو.. بهذا التعقيد الذي لا يمكن لأي سياسي أن يحوله بعصاه السحرية الى نموذج لدولة آمنة ومستقرة.. تاريخ البلد وحاضره.. الدماء التي ساحت بين رافديه.. تركيبته الاجتماعية وتنوعها.. موقعه الجغرافي وتضاريسه المختلفة.. قضاؤه وقدره.. كلها عوامل تمثل أرقاماً في معادلة لا تنتج إلا ما نعيشه ونقاسيه.. أكبر العُقد التي أعاقت العملية السياسية, هي أن الكتل التي كانت تعارض سياسة الحكومة, لم تمارس الدور في مجلس النواب فيما يتعلق برصد الأداء الحكومي وكشف سلبياته بل اشتركت في الحكومة وشكلت جسماً غريباً فيها ما أدى إلى أن لا تكون معارضة بل معرقلة ومعيقة لأكثر المشاريع والسياسات وكانت بمثابة العصا التي أربكت عجلة السلطة التنفيذية, إذ السلطة التشريعية هي المكان المناسب للمعارضة وليست السلطة التنفيذية وعلى من يشترك في الحكومة ان ينسجم مع أدائها وتوجهاتها.. الأجهزة الأمنية تعددت وتقاطعت في الاختصاصات استنزفت أموالاً ومعدات إلا إن أداءها لم يكن بمستوى الحدث الإرهابي ووحشيته.. الوزارات التي استحدثت لإرضاء بعض الكتل والأخرى التي شكلت لاستيزار بعض الشخصيات التي لم تضع أثراً في أرض الواقع حتى إن الناس لم تكن معنية ببعضها ولا تعرف موقعها ومن يديرها.

هل كان القضاء مستقلاً؟ وهل وقف على مسافة واحدة من الجميع هل تعامل مع الوزير والنائب وشيخ العشيرة ورجل الدين كما تعامل مع المواطن؟ هل مارس دوره في ملاحقة الجريمة والفساد والحد منهما وهل كانت الأحكام الصادرة تستند الى المهنية القانونية أم كان جزءً منها يستند الى الموروث الثقافي والجذور الاجتماعية التي ينتمي إليها القضاة؟ التربية والتعليم والمناهج الدراسية.. هل أسهمت في زرع ثقافة قبول الآخر المختلف أم إنها لا زالت مصنعاً لإنتاج الأجيال المفخخة الشبيهة بنا نحن الكبار رواد احتكار الحقيقة؟

هل العراق دولة دينية.. أم مدنية.. أم عشائرية قبلية.. هل هو دولة مركزية أم لا مركزية أم فيدرالية أم كونفيدرالية.. أم إنه نظام عشوائي.. خليط غير متجانس لأنظمة متناقضة؟ قائمة مفتوحة من التساؤلات ربما تكون بدايتها يوم الخلاص من النظام الدكتاتوري أما نهايتها فأقل ما تقول عنها أنها مفتوحة ولا متناهية.. طبعاً لا يمكن لأي مراقب موضوعي أن ينكر ما تحقق من إنجازات.. الدستور خيار الشعب الذي صوت عليه.. الديمقراطية.. حرية الصحافة والمساحة المفتوحة للإعلام.. التداول السلمي للسلطة.. مجلس نواب، ومجالس محافظات منتخبة.. أشياء كثيرة ربما لن تتحقق في الكثير من الدول الإقليمية على المستوى القريب, غير إن هذه المنجزات ظلت حبيسة الهرم الإداري والسياسي والنصوص الدستورية والقانونية والكثير منها لا يفهمها المواطن وربما لا تعنيه طالما لم تنتج أثراً في واقعه المعاشي والخدمي.. المرحلة القادمة ستشكل انعطافاً في المشروع الديمقراطي العراقي، ولا بد من تضافر الجهود لإنجاح التجربة التي تعني نجاح الجميع ممن يؤمنون ببناء العراق الوطن.. العراق الدولة.