لا تتغيّر!  
   

   وليد فرحان     

 17 /11 /2009 ( الصباح )

 
   

 

أكره أن أعامل كـ "أنتيكة"، صديق قادم من زمن ضارب في القدم، قد لا يتعدى هذا القدم العقد من السنوات، لكن السنين لشحة فرحها تمرّ بسأم على أحوالنا التي لا تتغيّر، على وجوهنا المستسلمة للحزن، على تآكل أعمارنا بالمتشابه، على ضجرنا من كلام السياسة الذي نردده مثل ساعة "بكبن"، بعض الأصدقاء وجدتهم على حالهم، لم يقدموا رجلاً على خطوتهم التي تركتهم يخطونها، لم تخف نبرتهم الحادة في كسب النقاش وحيازة الحق، بعضهم شعرت أنه يخفي تحت لسان جديد مقدمة للجهر بغباء الماضي، وبعضهم رأيت إيمانه من سوء حظه، هذا الخليط العصيّ، الحريص يومذاك على استشراف المستقبل "المؤمن" أصبح حريصاً على التنكر للماضي، تحوّل الماضي ـ حالنا حال كلّ العراقيين في الخوف من التحول ـ  الى ذريعة لإضعاف المستقبل، كلّ ما نحاوله الآن الهروب من الماضي، إكسابه امتيازاً معيناً يناله ساعة نتخلى عنه.

إذن، ثمة مشكلة في تقبّل التحوّل وقيمه الجديدة، وخبرة في إرهاق الحاضر بمشكلات الماضي وجدل لا ينقطع حول أيهما أفضل، ثمة رهبة من إعلان القطيعة مع الماضي والاتحاد مع الحاضر، لأن قصتنا مع التحول لا تقف عند حدود ما يجري بنا، وكلّ ما يجري بنا مرده الى هذا الإصرار على رفض أي قيم تتعارض مع الثبات الغريب الذي يشدنا من آذاننا ما إن نلتفت الى جهة أخرى.

لا أبالغ اذا قلت إن الدول التي تعاملت في بداية القرن العشرين مع الاستعمار بوعي مختلف، هي أكثر الدول استقراراً وأفضلها تمدناً، تلك حقيقة يأباها الزهو المفتعل الذي يعلو المرء ما أن يسمع بسيرة الأرض التي لا يملك فيها شيئاً إلا سجناً أو قبراً، وبلغة مرضية لهذا الخيال، أخذت هذه الدول مزايا الاستعمار وقاتلت سيئاته، وهي الى هذه اللحظة تستطيع استيعاب التحولات بإرادة وجَلَد، بعكس ذلك تبدو الدول التي لم تستوعب التحولات على حالها، تبادل الحياة باستفزاز غريب للمخيلة، يطمئنها أنها ثابتة لا تتزحزح مما قامت عليه وتعاقدت على الإخلاص له.

أكثر مَنْ عرف قيمة استيعاب التحوّل في بدايات القرن العشرين من الدول، مصر ولبنان، وفي نهاياته، يبرز الاستثمار كـ ناحت جديد لخارطة المستعوبين للتحوّل وتبدو دول الخليج على قمة الهرم، أخفت رأسها في بدايات القرن وفتحت ذراعيها في نهاياته، بينما يقف العراق بتجهم أمام كلّ ما مرّ، لم يتحول، لم يتغير، لم يتسلل الى شعبه شيءٌ من السأم مما هم فيه، كلّ ما فعله أنه بقي يراقب العالم كيف يتغير وهو جاهز لتتبع الأمثولة الأبرز في وجدانه، ..لا تتغيّر!، ومن يقرأ (ج 5 من لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث) يجد أن علي الوردي يرجع السبب الرئيس في ثورة العشرين الى كره العراقيين للتغيّر وحرصهم على بقاء عاداتهم كما هي، تصلح لكل العصور وتجاري جميع الثقافات.

لا يقف الأمر عند قيم التغيّر، ربّما الأمر أبعد من ذلك قليلاً، ربّما هناك حاجة أن تقنع الآخرين أنك تغيرت أكثر من حاجتك الى إقناع نفسك بالتغيّر، افتتاح كاوست للعلوم والتقنيات في السعودية مثال على تغيّر هائل ليس في إباحة الاختلاط بين الجنسين في بلد أصولي بل في كل ذرة في هذه الجامعة تقول لك نحن نؤمن أن العالم الجديد يجرح الثبات ويؤمن بالاختلاف، هل من مقارنة أن يكون رئيسها البرفيسور تشون فونغ شي  الياباني الجنسية وبين صراع الأحزاب على رئاسة الجامعة المستنصرية حتى لم نعد نجهد أنفسنا في حفظ إسم رئيسها لأنه سيتغير حتماً؟، ولا مقارنة بين الاثنين بالطبع، أما كيف تقنع الآخرين أنك تغيّرت ففي افتتاح حلبة مرسى بني ياس للفورملا (وان) في الإمارات  مثالٌ على أن الشرق الأوسط فيه دول تغيّرت وأقنعت العالم بتغيّرها!.