سياسة الشخير  
   

 محمد خليل كيطان     

       16 /11 /2009 

 
   

 

قد يصف الأطباء الشخير على إنه مرض، بينما يصنفه بعضهم في كونه نتاج عرضي لعيوب تصيب الجهاز التنفسي، ويذهب فريق آخر إلى ربطه بالانفعالات النفسية والنوبات العصبية ـ وما أكثرها في أيامنا هذه والحمد لله ـ وأياً كان رأي الفرق المختلفة فإن للشخير كوابيس متنوعة تطاردنا في نومنا، ويعد من أهم المنغصات التي تعصف بحياة الأزواج.

قطعاً إن الرجال المساكين هم المتهمون الرئيسيون بممارسة الشخير، أولئك الذين لا يجرؤون على انتقاد شخير نساءهم بل أن أحدهم زاد في تملقه ووصف شخير زوجته على إنه تغريد بلابل ليس إلا.

والغريب إن للشخير حكاية عجيبة مع السياسة والزعامة، إذ يقال أن إحدى قبائل الأمازون كانوا يختارون زعيمهم بناء على ارتفاع صوت شخيره، لاعتقادهم أن الشاخر الأعلى هو الذي يسهم إسهاماً فاعلاً في طرد وإخافة الضواري والحيوانات المفترسة التي قد تتسلل إلى قريتهم ليلاً.. وتقوم لجنة متخصصة باستراق السمع ومراقبة جميع الأكواخ لعدة أيام متفرقة سعياً لاختيار الزعيم المرتقب.. ثم يصار أخيراً إلى إنهاء ولايته ووضع حد لتسلطه الشخيري مع انخفاض وتيرة عزفه المنفرد وارتفاع سموفونية شخير منافسه.

وبدا أن هذا الأمر استهوى عدد من الكتل السياسية والتجمعات الحزبية الجديدة في العراق والتي تستعد لخوض غمار الانتخابات البرلمانية المقبلة، إذ أصرت على بدء حملتها الانتخابية على الطريقة القديمة المعروفة باسم (نزل السوك صعد السوك).. وذلك باستعارة حزمة من الشعارات والهتافات البالية والمنتهية الصلاحية وحاولت تلميعها، وبث الحياة في مفاصلها، وصار الأمر أشبه بالشخير المزعج منه إلى إعلان انتخابي يبشر الناس بعودة زمن العنتريات والخطابات التاريخية التي لم تشبعنا من جوع ولم تنقذنا من إرهاب.

التصريحات الإعلامية والسباقات الصحفية وبعض البرامج التلفزيونية المحلية سارت هي الأخرى على درب الشاخرين .. فلم نكد أن نعلم إن الإئتلاف الفلاني اتفق مع التكتل العلاني على الدخول في الانتخابات بقائمة موحدة، حتى تطلعنا الفضائيات بسيل من عاجل الأخبار والسبتايتلات عن فض تلك الزيجة، وذهاب الفريقين إلى التوقيع مع تكتلَيْن آخرَيْن كانا قد تطلقا مؤخراً ووقعا بالأحرف الأولى مع إئتلافين متضادين بالأفكار والتوجهات تماشياً مع المبدأ المعروف (شيّلني وأشيلك).

العالم العربي هو الآخر عرف سياسة الشخير منذ الأزل لاسيما مع احتدام الصراع على زعامة الدول العربية.. وأدرك أبناء الوطن العربي الكبير أن النظام الذي يتمتع بأعلى شخير تجاه قضايانا المصيرية هو الذي يستحق أن يتربع على عرش العرب.

لقد شخرنا لسنوات طويلة عن قضايا الشعب الفلسطيني وسجلنا نجاحات شخيرية باهرة بشأن الصراع الأخوي السلطوي بين فتح وحماس، ثم عاودنا الشخير حول ما حدث ويحدث في الصومال وتعاملنا مع جميع أبناء شعبه على أنهم قراصنة فحسب تماشياً مع الشخير الغربي المسيطر على آلة التشاخر العالمية.

ولكن فجأة ومن دون سابق إنذار أوقف بعض زعماء العرب شخيرهم وصحوا من سباتهم الطويل إزاء حرب اليمن (السعيد) واجتمعوا على مؤازرة جيرانه (الأسعد) وأيدوا ضرب وقصف ومحاصرة وقتل المدنيين الفارين من ويلات تلك الحرب وأصروا على وصفهم بالمتسللين المتمردين.

بينما ما زال أولئك الشاخرون أنفسهم يصفون المتسللين الى العراق على إنهم "مجاهدون" يقاتلون أبناء الشعب العراقي (المتمرد) !!!.

أستميحكم عذراً، فلقد أدركني الصباح، سأتوقف عن الكلام المباح، لأن النعاس قد أطبق عليّ وحاصر عيوني.. و.. وو.. خ خ خ خ خ.