![]() |
||||
| تفجيرات الأحد.. جريمة وأنانيات السياسية | ||||
|
عبدالمنعم الأعسم |
1/11/2009 ( جريدة الاتحاد العراقية ) |
|||
|
تفجيرات الأحد الدامية رفعت اللثام عن قبح المفردة المبكرة عن مقاومة الاحتلال بالسلاح، فقد انتهت حثالة المقاومين المسلحين الى مشروع يقوم على طرد الدولة العراقية من الخارطة بدل طرد المحتلين من العراق، وكشفت عن احتراف مصمم، وسادي، للجريمة في أكثر صورها شناعة، بأنْ توقِع أكبر عدد من الضحايا وتنال من شواهد مدنية لها صلة بشبكة المصالح العامة، وأكثر من صلة بشؤون وملازم الاستقرار. القول بأن لهذه التفجيرات رسالة سياسية، لا ينطوي على اكتشاف مثير، فالتسييس –أصلاً - يضرب كل حدث أو حادث في العراق مهما كان عابراً أو هامشياً، فكيف به إذا ما كان ضربة أمنية اخترقت سلسلة من التحصينات وجاءت في وقت تشهد المرحلة احتقاناً وتجاذباً سياسياً؟ وكيف يمكن تقليل أثرها السياسي وقد وجهت ضربة الى هيبة ومكانة الحكومة، إذا ما شئنا تسمية الأشياء بأسمائها؟. ومن التبسيط الافتراض بأن هدف هذه التفجيرات هو تدمير العملية السياسية التي لا تعدو عن كونها إحدى مكونات العهد الجديد في العراق، وتدور هي الأخرى في أقنية من التعقيدات والاحباطات والتحديات، فإن المشروع المطروح للإرهابيين وأصحاب العنف هو إلغاء العهد كله، بحاضره ومستقبله، وتجهيز كيان عراقي يتفتت الى كيانات متناحرة ومزارع للحشيش والتهريب والى معسكر لجميع المهووسين بالحرب والسلاح والعنف، والمنبوذين والمطلوبين في كل مكان. ومن الطبيعي، أن يكون لهذا المشروع الجهنمي أنصار وممولون في دول مجاورة، وله مندسون في داخل الشبكة الأمنية، ومناصرون (أو شامتون في الأقل) في الخارطة السياسية ومفرداتها وشظاياها، وله مجهزون ومؤولون ودعاة ووكلاء في الإعلام وتجارة التهريب والنصب والفساد، لكن الأمر الأخطر الذي طرحه هذا المشروع يتمثل في دفع الملايين العراقية الى حالة الاستسلام لقدر التفجيرات، واليأس من إمكانية استئصال الجريمة والمجرمين، وانعدام الثقة بالخطط الأمنية، تفاقمها الإجراءات الأمنية الانفعالية والإفراط في المضايقة ومظاهر التفتيش والتعامل بالريبة والزجر مع المواطن وضعف المهنية الإدارية. استبق تداعيات التحليل بالقول انطلاقاً من حقائق منظورة وميدانية بأن مستقبل المشروع الإرهابي في طوره الإجرامي البربري الجديد مغلق على نفسه من جميع الوجوه، ولم يكن ليحظ بأي تعاطف في الشارع الذي تعامل معه بسخط واحتقار، وهو بلا مستقبل، أيضاً، بالرغم من إنه يحتفظ ببعض عناصر الاستمرار والدعم، غير إن الشوط الذي سيقطعه، في الزمان والمكان، مرهون – بالقطع - على قدرة قوى العهد على الصمود والعبور بالعراق الى استحقاقات البناء، ومرهون قبل كل شئ بقدرة هذه القوى على احلال عهد التضحية بالامتيازات والمصالح الفئوية محل الصراع المحموم على السلطة، فضلاً عن الحاجة الى ترسيم البعد الأيديولوجي للمشروع الإرهابي القائم، في جوهره، على خطاب إسلامي ومفارخ دينية تنتشر في بقاع العالم. فقد أعلنت “دولة العراق الاسلامية” مسؤوليتها عن تفجيرات الأحد الدامي (طبعاً، بالدعم الأرضي من فلول النظام السابق) وشددت على إنها أوقعت بـ”عدو الله” ضربة “إلهية” فأعاد هذا الإعلان السؤال التفصيلي اللجوج: هل إن الإسلام يحلل فعلاً مثل هذه المذابح؟ وهل إن الآية "ترهبون به عدو الله" التي يهتف بها أنصارهذه المذابح لا تجد تطبيقاً إبداعياً لها إلا في بركة دم وجثث لمواطنين عابرين ألقت بهم حظوظهم العاثرة ليكونوا في المكان الذي شاء أن يكون مسرحاً لـ "حرب التوحيد ضد الضلالة" كما جاء في بيان داعم للمذبحة؟. على إنه في أثر كل مذبحة من المذابح التي جرى الترويج لشرعيتها في مساجد أو أوكار مليئة بنسخ مطهرة من القرآن، وجرى الاحتفاء بها وإجازتها من مساجد ومراجع، نستمع من يقول إن الإسلام بريء من أعمال العنف، وكأن ثمة شطراً محذوفاً من الديباجة، أو كأن القائمين بتلك المذابح جهلة في دينهم، أو ممسوسون في عقولهم، في حين نتعرف يومياً الى وكلاء عن أولئك المهاجمين لا تطالهم تهمة الجهل، ولا تدركهم ظنة الجنون.. بل إننا تابعنا الاستماع الى خطب بأصوات مشايخ وعلماء دين وإعلاميين متدينين ومدرسين في معاهد إسلامية تحض على القتل وتبيح الذبح، بالاستناد الى آيات من القرآن تعد "أعداء الله" بالعقاب على أيدي "الناجون من النار" يضعونها بين كل بركتين من الدم، وكل مدرستين سويتا بالأرض، وبين كل عويل وعويل للنساء المثكولات بعزيز عليهن. كل ذلك لكي يحمل الملائكة الانتحاريين الذين فجروا الشاحنات وسط الأبرياء الى جنان تجري من تحتها الأنهار. وإذا شئنا الدقة، والصراحة، ووضع النقاط على الحروف، وتجنب التعميم والتعويم والتدليس، والمناورة، والمجاملة فإننا سنقول، على ضوء جريمة الأحد النكراء وألف جريمة قبلها، بأن وكلاء أعمال العنف من علماء الدين والأئمة الذين يظهرون علناً وبالألوان الطبيعية يومياً، وأن ممولي المجرمين وزعماءهم ومدربيهم على السلاح، يحفظون، جميعاً، آيات القرآن عن ظهر قلب، ويعرفون شؤون الدين من الحديث والفقه والتفسير والسنة والشرع والحلال والحرام والكفر والإيمان معرفة لا يطالها الشك وقد تزيد على معرفة أصحابنا الذين يكتفون بتطييب خواطرنا قائلين دائماً "أن الإسلام بريء من أعمال العنف". ومن لا يصدق هذه الحقيقة المرّة ينبغي أن ينصت يوماً الى دعاة إسلاميين كبار يدخلون علينا من ثنايا الشاشات الملونة وهم يلفون ويدورون (وليس ثمة أبرع من أولئك الدعاة باللف والدوران) ليقولوا الشيء الذي يقوله ابن لادن والظواهري حول مقاتلة (عدو الله) بكلمات أخرى لا تنطلي إلا على المغفلين.. أما من هم أعداء الله؟ ومن الذي ينوب عن الله في تشخيص أعدائه وقبض أرواحهم، أو شرعنة ذبحهم في مهرجانات دموية متوحشة، فهو أمر متروك لحكم هؤلاء الدعاة وأولئك الرعاة، وهكذا فإن على الذين يتكفلون معاهدات الدول والشرائع والقوانين، وطلاب معاهد العلم والقانون، وحافظي العهود، ومرتادي المساجد والكنائس والمزارات الاستقالة من مسؤولية الدفاع عن الفضيلة بعد أن دخلوا جميعهم وكل البشرية في قائمة (أعداء الله). أما المؤمنين حقاً بأن الإسلام بريء من أعمال العنف فإن عليهم أن يترجموا ذلك الى فعلٍ يسد الطريق على من يدس عين الله في حشوات التفجير العمياء. الى ذلك فإن تفجيرات الأحد طرحت وتطرح فاصلة مثيرة للانتباه، إذ دخلت العديد من مفردات الطبقة السياسية وخطوطها في محذور الأنانيات السياسية في محاولة للتكسب من الكارثة، ويعبّر هذا التكسب عن نفسه في عناوين كثيرة، تتفرع من عنوان واحد هو توظيف الهزة الأمنية الدموية الناجمة عن هذه التفجيرات في شبكة الصراع السياسي الفئوي والشخصي، قفزاً من على مشهد الفجيعة وتناثر الأشلاء وعويل النساء وسحب جثث الضحايا من تحت الحطام، ومن فوق موجبات الاحتشاد الوطني لإلحاق الهزيمة بالمشروع الإجرامي الذي يهدد الجميع من غير استثناء، وقبل ذلك يهدد الوطن الذي يتغنون به صباح مساء. ويكشف هذا الانزلاق السياسي، كما في كل مرة ينقذف فيها البلد الى فجوة أمنية خطيرة، عن عورة الشخصنة المنفلتة في داخل العملية السياسية، بين مَن يبحث عن رصيد في الخراب ومهرجان الجثث يسجله في المخاشنة الانتخابية، ومَن يتشفى بالحكومة ويتسلى بتخبطها، أو ينافح عنها في الحق والباطل، ومَن يدفع الدوامة الى تصفيات حساب وتوزيع الاتهامات ضد خصوم سياسيين، ومَن يطلق شعارات ومشاريع نائمة كان قد خسرها يوماً، ومن يتفرج على ما يجري ليحتطب الأخطاء والزلات والسقطات هنا وهناك، ومَن يرفع من سقف أسعار التحالف والموالاة، ومَن ينطّ من رصيف الى رصيف بحثاً عن جاه مُفتقد، ومقام ضائع. الى شئ من الرطانة، ويجعل من التعاطف مع الضحايا الى مشهد تمثيلي مصنّع، ثم يتولى صاحبه عملية خلط الأوراق، ويقول الشئ ونقيضه، ويجمع- من غير مهارة كافية- بين الدفاع والهجوم، والاحتجاج والرضا، والحضور والهروب، وينظر من ثقب الباب لما يجري ليعيّن مصلحته في المكان والزمان، والبعض من أصحابه يضع إسماً محدداً هدفاً لغاراته الإعلامية، وجهة معيّنة مطعناً لهجماته السياسية، ولا يتورع عن أن يقلل من فداحة الخسارة لكي يدس مسؤوليته عنها تحت البساط الأنيق، أو ينفخ فيها قدر ما يستطيع ليجعل منها مبرراً لتجريم الجميع وليوحي أنه المنقذ المنتظر، الذي وحده يمكن أن يغلق أبواب جهنم ومصاريع الفواجع. في المحن الوطنية، والتحديات والزلازل والكوارث التي تهدد أمن الشعوب، وفي اللحظات التاريخية العاصفة للدول يتخلى – عادة - الحريصون على أوطانهم وأمنها واستقرارها عن مصالحهم الذاتية، وعن صراعاتهم الهامشية، وحروبهم الفئوية، وفي هذا الامتحان يعاد ترسيم المقامات والحجوم.. فيشار الى الجديرين بحمل الأمانة الوطنية، مميزين عمن تكسّب، أو سعى الى التكسب، من الكوارث ومشاهد المجازر والتفجيرات. التكسب السياسي من مذبحة الأحد جرى، للأسف، بالألوان الطبيعية.. وبالصوت والصورة. ــــــــــــــــــــــ كلام مفيد: "هل لي ان استخدم اسمك في الدعاية لحركة الدفاع السلمي عن الحق، وضد العنف؟" من غاندي الى تولستوي |
||||
|
|
||||