الهندسة الاجتماعية

جمعة عبدالله مطلك


25/1/2012

 


لا شيء عفوي في المجتمعات الحديثة. فالعفوية رديف الفوضى التي اختصت بها مجتمعات ما قبل الحداثة. وليس في الأمر تجريد فلسفي أو تنظير مفارق فالتخطيط المبرمج المنهجي في الحاضر ينتج مستقبلاً يمكن السيطرة عليه. وتنصرف كلمة السيطرة في الاجتماع الى ضبط التوترات الاجتماعية ومنع انزلاق الظواهر التي تبدأ اعتيادية أو ناتجة عن حراك اجتماعي طبيعي لتتحول الى أزمات مستعصية تولد عللاً مزمنة تنعكس في النتيجة على أداء المجتمع بشكل عام. إن فكرة المستقبل ترتبط في أي نظام حضاري بطبيعة نظرة المجتمعات وثقافاتها الى الزمن وكيفية التعامل معه. فالزمن الارتدادي الذي تعيشه المجتمعات العربية والمجتمع العراقي تحديداً زمن سائب يفتقد الى أبنية ومرجعيات للحكم على الظواهر والأشياء. وأعتقد أن هذا هو السبب الذي دعا المؤرخ أرنولد توينبي الى القول "إن المجتمعات ذات التاريخ الطويل والممتد يمكن أن يعود عليها تاريخها عبئاً لا تستطيع تحمله ببساطة". وأعتقد أن هذا العبء يتمظهر في الحياة العراقية أكثر من أي مجتمع آخر تقريبا. فتبدو الظواهر الاجتماعية في العراق وكأنها مجموعة أزمات قدرية لا رابط بينها سوى قدرتها على سحق قوانين الاجتماع الإنساني وشد الفرد والجماعة الى منطق الحياة الطبيعية التي يتساوى فيها الإنسان وغير الإنسان. بل ترتقي هذه الظواهر وأزماتها الى مستوى النوازل التي تملك كل حين قدرة ليس على تحصين نفسها فقط بل والمبادءة الى اقتحام ذاتيات الفرد وأحاسيسه بالسلام والأمن والطمأنينة. وبتعود هذا الفرد التعامل بمنطق النوازل ذاتها يتحول كتلة من رياء ونفاق لا حدود لمدها حيث يتقوض باستمرار داخل كيانه وقناعاته إحساسه بالكرامة والحرية. وباستمرار الحال تتحول الشعوب الى مجاميع من عبيد الخبز الذين يتشابهون في كل شيء بعد انخراطهم في تلقين واجترار فقه النوازل. ولا يعود مهما لدى هؤلاء العبيد شكل المستقبل ولا فكرة الزمن. تتشابه الأزمان في منطق العبودية حيث يتم أسر الزمان في العقل العبودي وترويضه على أساس الطاعة العمياء وقمع أسئلة الوجود والحرية. ولهذا السبب لا يستطيع العراقيون التعامل مع حريتهم إلا بعدها عبئا ينتمي الى فقه النوازل. إنهم مرة أخرى يتحسسون واقعاً مغايراً بعد فقد “الأب!“. وفي مسيرة البحث عن “أب“جديد ينبعث ماموث التاريخ العراقي لينتج أصنافاً من القبائل والطوائف والإثنيات وقد استنبتت لها أنياباً “ديموقراطية للغاية“ تستطيع أان تنهش بحكم الدستور وبقناعة محيط العبودية الذي ارتهن اليه العقل العراقي كي ينتج بعد ذلك صورة بالغة الحراجة. فحتى الساعة لا اتفاق على مضمون للدولة ولا عمل باتجاه ترسيخ العصب الحساس لهذه الدولة أي المؤسسات وعندئذ تصبح الأخلاق مسألة نسبية للغاية فهذه المجتمعات التي ينعدم فيها الإحساس بالزمن شعارها التليد: كل شيء يشبه أي شيء.