الدخلاء على الثقافة

علي حسين عبيد

الصباح
28/7/2010



يذهب المعنيون بـ(ثقافة) الشعوب والأمم الى أهمية دورها في البناء والتطور، بل جلّهم يضع دور الثقافة في صدارة الأدوار التي تسعى الى تغيير أنماط السلوك والأفكار، وتقفز بها من حالة الاجترار والركود والتزييف الى حالة الرقي والسمو المتواصل لشرائح المجتمع كافة، المتعلم منها وغير المتعلم.
وإذا كان القول أعلاه من البداهة بمكان، فإن التذكير به دائماً، يدفعنا الى تأشير ظاهرة تسلل الدخلاء الى ساحة الثقافة (كما تسللوا الى ساحات السياسة وغيرها)، وهو أمر يشكل خطورة جلية يمكن لمسها آنياً ومستقبلياً فيما لو تم غض الطرف عنها من لدن المعنيين واعتمادهم منهج اللامبالاة أزاءها، إذ سيقودنا ذلك من دون ريب الى مضاعفات تصعب معالجتها بعد استفحالها، وستفرض هذه الظاهرة نفسها على خارطة الثقافة ومؤسساتها، لاسيما الرسمية منها، إن لم تكن فرضت نفسها فعلاً.
هنا قد يسأل أحدهم، وكيف لنا تأشير الدخلاء والحد من نشاطهم الضار في ساحة تداخلت فيها النشاطات الى حد يصعب معه تمييز الأصيل من الدخيل؟.
وهو أمر شاق حقاً، حيث تغيب الحدود الفاصلة بين الفعل الثقافي الحقيقي وبين الفعل الذي يقف وراءه المصلحيون المنفعيون الذين لاهم لهم سوى تحقيق مآربهم المكشوفة والمتمثلة بتحقيق (الأنا المزيفة، والشهرة المسطّحة، والثراء الفقير)، لكن هذا التشابك والتداخل الغريب لا يمنع من السعي الى الفصل بين الأصيل والدخيل، ولا يعطي حجة للتقاعس، ولا يعفي المثقفين الجادين من مسؤولياتهم في كشف وفضح ثقافة الدخلاء، ورصد أنشطتهم ووضعها تحت مراصد الكشف الدائم، لأن الأمر من الأهمية والخطورة بحيث لا يدع مجالاً للصمت أو الموافقة على تمرير الزيف بحجة النوايا الطيبة، أو تسليط الضوء الإعلامي الخارجي على الأنشطة الثقافية العراقية ومميزاتها من دون أن تكون هناك رؤية واضحة تشترك فيها أعمدة الثقافة العراقية كأشخاص أو كمؤسسات ثقافية متفق على رسوخها ونزاهتها واستقلاليتها عن التوظيف الحكومي أو الأدلجة الحزبية وما شابه.
فهل يعني مثل هذا الكلام إن ثقافتنا في خطر؟ وهل يعني وجود الدخلاء أمراً محسوماً لا جدال فيه؟ أم ثمة مغالاة تقف وراء مثل هذه الرؤية وهذا الكلام؟.
إن وجود الدخلاء لا يختلف عليه أحد، وليس ثمة تهويل أو مغالاة في الأمر، وأظن – من وجهة نظر قابلة للخطأ - أن اللجوء الى مثل هذه التبريرات لابد أنها تنعكس عن تعامل ساذج أو حفاظ على مصلحة معينة أو محاباة لشخص أو جماعة، بل هي نوع من المراءاة التي قد يحتمي بها الدخلاء أنفسهم، وإلا ما معنى تجيير الأنشطة الثقافية لصالح أشخاص معروفين (بتلونهم) تحت حجج وعناوين واهية وغير مقبولة؟.
ثم كيف نستطيع أن نقنع الساسة وغيرهم بأهمية الثقافة والمثقفين ونحن نتقدم ركب الزيف، ونلهث نحو مصالحنا الخاصة ونهمل العامة لأنها لا تضع شيئاً في جيوبنا ولا تلمّع أسماءنا أكثر في محاولة بائسة لتسليط الضوء والشهرة الزائفة على تجاربنا وذواتنا، ألم نتعلم بعد بأن الخطر كله يكمن في تضخيم الذات وسحب الأضواء لها بأساليب ينبغي أن يترفع عنها المثقف الأصيل ويتركها للساسة المزيفين حصراً، وإذا كان المثقف هو أول من يشيد بالسياسي رغم أخطائه الفاضحة، ترى من يتصدى لمنظومة الزيف والكذب والفساد التي تعصف بحياة البسطاء من الناس، وهل يعني هذا فقدان الأمل بالمثقفين الأصلاء، وترك الحبل على الغارب والسماح لمن لا يستحق من دعاة الثقافة باللعب بورقة الثقافة العراقية خدمة لمصالح ذاتية بحتة مظهرها الحرص على ثقافة العراقيين واظهارها بالمظهر اللائق، وباطنها صفقات لا يعلم فحواها إلا من يشترك فيها أو يكون على قرب من حيثياتها؟.
وهل يعرف دخلاء الثقافة مدى الأضرار التي يلحقونها بالآخرين مع أنهم غير معنيين بذلك؟ وهل يعرف المعنيون الحقيقيون مدى تلك الأضرار؟ وإذا كانت الإجابة واضحة، فلماذا هذا الصمت الغريب على وجود الدخلاء بينهم وقبولهم تحت هذه الحجة أو تلك، وإذا كانت ساحات الفعل والنشاط البشري المتنوع لا تستغرب الزيف والرياء والصراع المادي، وقد لا تبالي في التحرك ضده أحياناً تحت ضغط المنافع والمصالح المتبادلة، فهل تجوز مثل هذه اللامبالاة في ساحة الفعل الثقافي؟.
إن الصمت على الخطأ كما هو معروف ومتوقع يؤدي الى عواقب معروفة أيضاً، كما أن التأسيس لأي نشاط يؤسس له الناس يتطلب نوعاً من الجدية الصارمة التي تضع الحجر الأساس له لاسيما إذا كان ذا طبيعة وجوهر ثقافي أصيل، ولو أننا قبلنا بالحجر الأساس الخاطئ فإننا بالنتيجة قابلون بالنتائج الخاطئة للبناء، والصمت هنا يعني القبول بطبيعة الحال، ناهيك عن التشجيع الذي تقف وراءه مآرب براغماتية هزيلة.
وهنا لابد من ظهور الصوت العالي والكلمة الواضحة التي تؤشر الخطأ وتدعو الى تصحيحه، وهي مسؤولية المثقفين الحقيقيين إلا إذا كان الساحة قد خلت منهم!.
وأخيراً ربما يقول قائل، إن التأشير المباشر للخطأ والزيف قد يقود الى ما لا تحمد عقباه، وهنا لابد أننا نؤمن بأن الخسائر القليلة في أول حالات التصدي ستقلل الخسائر الكبيرة بعد استفحال الظاهرة، لذا مطلوب من المعنيين بالثقافة أن يرصدوا الدخلاء باستمرار، وأن يحددوا مكامن الخطر التي تنطوي عليه أفعالهم وأنشطتهم مهما تغطَّت أو تلفعت بأغطية ثقافية ظاهرها الخدمة والإيثار وهمّها الباطن (الأنا، والشهرة الساذجة، والضوء الذي غالباً ما يكون باهتاً وخافتاً ومفضوحاً).