|
عوامل خلقت
الأزمة السياسية .. وإجراءات لحلها
محمد عبد الجبار الشبوط
الصباح
26/7/2010

أضحى من الصعب الحديث عن دولة دستورية في العراق، فضلاً عن الحديث عن
وجود دولة. فقد ضربت الكتل السياسية الدستور الدائم عرض الحائط،
وتجاهلت المواعيد الزمنية التي يحددها، بل تلاعبت بها وقررت تأجيل جلسة
مجلس النواب المقرر عقدها يوم الثلاثاء 13 تموز، لمدة أسبوعين، ما يعني
تأجيل كل الخطوات التي ينص عليها الدستور بعد المصادقة على نتائج
الانتخابات، والتي جرت في السابع من شهر آذار الماضي.
ويأتي هذا التأجيل الذي يمثل مخالفة دستورية كما وصف ذلك رئيس البرلمان
الأكبر سناً فؤاد معصوم، نتيجة عدم الاتفاق على الرئاسات الثلاث وسط
خلافات حادة بين الكتل السياسية. ويعني التأجيل أن العراق بات يحكم
ويدار ليس وفقاً للدستور وانما وفقاً لقرارات سياسية يتخذها أشخاص
سياسيون بعضهم غير منتخبين أصلاً.
وينص الدستور العراقي على أن رئيس الجمهورية يدعو مجلس النواب الجديد
للانعقاد خلال 15 يوماً من مصادقة المحكمة الاتحادية على نتائج
الانتخابات، ويجب على المجلس الجديد أن يختار في جلسته الأولى رئيساً
له ونائبين للرئيس وبالأغلبية المطلقة لعدد أعضاء مجلس النواب وعبر
الانتخاب السري المباشر، ثم يقوم مجلس النواب خلال مدة أقصاها ثلاثون
يوماً بانتخاب رئيس الجمهورية، ويقوم الأخير خلال 15 يوماً بعد
انتخابه، بتكليف مرشح الكتلة الأكبر في مجلس النواب بتشكيل الحكومة،
ويكون أمام رئيس الوزراء المكلف ثلاثون يوماً لإنجاز مهمته، فإذا لم
ينجح يكلف رئيس الجمهورية شخصاً بديلاً عنه. لا مبالغة الآن في القول
إن البلد الآن في أزمة، أزمة سياسية ودستورية، وإن الانتخابات التي جرت
لم يعد لها معنى ومغزى، إذا كان القرار السياسي فوق القرار الانتخابي
والدستوري. الآن يتعين التفكير بعمق بالأزمة، وبطرق الخروج منها، قبل
أن يسقط البلد في حفرة لا يستطيع الخروج منها بعد ذلك.
يتحمل السياسيون طبعاً الجزء الأكبر من أسباب هذه الأزمة بطبيعة الحال،
ما داموا يمسكون بالقرار السياسي في البلد، لكن هذا لا يمنع من البحث
عن الأسباب الموضوعية للأزمة السياسية والدستورية الحالية.
ثمة عوامل يحسن إلقاء الضوء عليها.
العامل الأول:
الصراع السياسي والتنافس على السلطة في غياب الدولة
لم توجد الدولة في العراق بعد. الدولة بما هي وعي عام مشترك بين الناس،
بما هو توافق عام على الأساسيات، بما هي مؤسسات فاعلة، بما هي آليات
تداول مستقرة، بما هي قانون فوق الجميع. بما هي دستور يحكم كل التصرفات
والممارسات. حين سقط النظام انكشفت الحقيقة المرة، وهي إنه لم تكن هناك
دولة في العراق، فقد انهارت مع انهيار سلطة النظام كل التشكيلات التي
كانت توهم بوجود الدولة، بما في ذلك وعي الناس بوجود الدولة وحاكميتها،
بما في ذلك احترام الناس للقانون، وللمال العام المرتبط بالدولة.
القوى التي تولت السلطة بعد 9 نيسان عام 2003، لم تكن مستعدة لبناء
دولة، ولعلي أقول إنها لم تكن أيضاً مؤهلة لذلك. كانت عبارة عن شخصيات
أو قوى تأثير فئوية طامعة بالسلطة، بكل ما تمثله السلطة من نفوذ وجاه
ومكسب مادي مباشر. ينطبق هذا بشكل كبير على مجلس الحكم، وما تلاه.
تعاملت هذه القوى مع مسألة الدولة بشكل سفّه معناها ومغزاها وقيمتها.
ولم تساعد على احترام مفهوم الدولة وركائزها بما في ذلك القانون
والمؤسسات والثقافة السياسية العامة.
تحولت السياسة الى مسرح للصراع على السلطة، وليس الى مجال عام لبناء
الدولة وخدمة المواطن، كما يقتضيه الأمر. الصراع على السلطة ظاهرة
بشرية مقبولة ومعاشة. لكن الفرق يكمن في حالة أن يجري هذا الصراع في ظل
وجود دولة، وبالأخص دولة ديمقراطية، حيث يتحول الى تنافس على السلطة
محكوم بقوانين محترمة وأعراف مستقرة، مما يمكن من حسمه خلال فترة وجيزة
وبلا كلف اضافية.
وبين أن يجري في ظل غياب الدولة فيتحول الى صراع مكشوف ومنفلت على
السلطة، يكون من الصعب ضبطه والتحكم فيه، ويصبح أسير الأهداف الآنية،
ذات الطبيعة المصلحية المباشرة، للفاعلين السياسيين، أفراداً وجماعات.
هذا العامل أدى الى ظهور ثلاث ظواهر فرعية:
أولاً، رغبة الجميع بالحكم والاشتراك بالوزارة، ولم يعد للتداول السلمي
للسلطة، كما تقتضيه العملية السياسة الديمقراطية، معنى.
ثانياً، المحاصصة الحزبية والفئوية، التي أدت بدورها الى صعوبة تشكيل
المؤسسات بما فيها الحكومة، والى ضعف معيار الكفاءة في الاختيار
والتولي.
ثالثاً، العزوف عن المعارضة، التي فقدت أهميتها في وعي وممارسة
الفاعلين السياسيين، رغم كونها تشكل قاعدة أساسية من قواعد النظام
الديمقراطي.
العامل الثاني:
انخفاض مستوى الوعي السياسي والثقافة السياسية لدى الجمهور
كان الجمهور العراقي مقطوعاً عن الثقافة السياسية خاصة الثقافة
الديمقراطية بسبب الحصار الفكري والسياسي والثقافي الذي فرضه النظام
الدكتاتوري على المواطن العراقي لمدة تزيد على الثلاثين سنة. ولم يكن
الانفتاح الذي تحقق بعد سقوط النظام كافياً لانتاج ممارسة سياسية
ديمقراطية ووطنية ناضجة بعد سبع سنوات من ذلك. هذا العامل أدى الى:
أولاً، ممارسة سياسية، وخاصة التصويت، على أساس فئوي: مذهبي أو عرقي.
ثانياً، غياب الحضور الشعبي وقوة التأثير على النخبة السياسية. تظاهرات
الكهرباء كانت مطلبية محصورة، ولم تكن تعبر عن أفق سياسي مستند الى
ثقافة سياسية ديمقراطية تعرف دور المواطن في العملية السياسية وحقوقه
السياسية السيادية تبعاً لذلك.
العامل الثالث:
المزج غير الخلاق بين الديمقراطية التعدديـة والديمقراطيــة
التوافقيــة
لأسباب تأريخية كثيرة، عمد واضعو الدستور العراقي الى المزج غير الخلاق
بين الديمقراطية التوافقية والديمقراطية التعددية. وكما يحصل في
الكومبيوتر عندما يصطدم أكثر من برنامج ما يؤدي الى تعطل الجهاز عن
العمل، أدى هذا المزج الى التصادم بين النظامين ما أدى الى تعطل
العملية السياسية الديمقراطية، بما في ذلك الشلل الذي أصاب البرلمان،
وعدم كفاءة وفاعلية الحكومة بوصفها سلطة تنفيذية للإنجاز والخدمات.
وإذا كان البرلمان هو المكان المخصص نظرياً لممارسة الديمقراطية
التعددية (التصويت والأغلبية)، فإن الديمقراطية التوافقية (الإجماع
والفيتو) بقيت بدون مكان مخصص لممارستها.
جرت محاولة لإيجاد مكان لصنع القرار التوافقي، هو المجلس السياسي للأمن
الوطني، لكن المحاولة لم تنجح لأن وجود المجلس كان غير دستوري، من جهة،
ولأن الاختصاصات لم تكن قد حددت بوضوح لكي ترسم حدودا لعمل كل من
البرلمان والمجلس تضمن فاعلية الطرفين وقدرتهما على الاشتغال، من جهة
ثانية.
أدى هذا المزج الى تعطيل دور البرلمان في المرة السابقة وفي المرة
الراهنة أيضاً.
العامل الرابع:
تغليب المكوناتية على المواطنية
صنعت الطبقة السياسية الراهنة دولة، وبالأحرى سلطة “مكونات” وليس سلطة
مواطن، ودولة مواطنين. وادعت في الفترة الأولى على الأقل حق التمثيل
الحصري للمكونات التي تتكلم باسمها. وأدى هذا الى انقسام السلطة بشكل
عمودي، على أساس مكونات، وليس المشاركة فيها بشكل أفقي، على أساس
مواطنين.
أدى ذلك الى إبعاد المواطن عن الدولة / السلطة، ووقوع الأخيرة في أسر
الأحزاب والقوى التي تدعي تمثيل المكونات. وانحصر مفهوم المشاركة
السياسية، الذي يشكل العمود الفقري للديمقراطية في أضيق نطاق ممكن
التصور، وهو المشاركة اليتيمة في الانتخابات العامة، مقابل هيمنة القوى
السياسية التي تدعي تمثيل المكونات على القرار السياسي والتشريعي.
العامل الخامس:
الغموض الدستوري
يتحمل الدستور العراقي بعض المسؤولية في خلق الأزمة الراهنة بسبب غموضه
في بعض المواقع، وبسبب المواقيت التي حددها دون الأخذ بطبيعة العملية
السياسية في العراق. وظهر ذلك في حالتين أساسيتين هما:
أولاً، التوقيتات. فقد ربط الدستور كل حلقات العملية السياسية بنقطة
واحدة هي يوم المصادقة على نتائج الانتخابات، وأنهى عمر كل المؤسسات
القائمة بذلك، بما في ذلك البرلمان السابق، والحكومة والرئاسات، ما
يعني دخول البلاد في فراغ تشريعي وتنفيذي قبل الانتهاء من تشكيل
المؤسسات الجديدة وشروع البرلمان الجديد بأداء مهامه ووظائفه.
ثانياً، الكتلة المؤهلة لتشكيل الحكومة: استخدم الدستور مصطلح الكتلة
البرلمانية الأكبر دون أن يعرفها تعريفاً جامعاً للمغزى مانعاً للخلاف،
ودون اشتراط حجم معين للكتلة الأكبر، ما جعل المسألة نسبية. كان يفترض
مثلاً أن يقول إن الكتلة الأكبر التي تحوز مثلاً أكثر من ثلث أو نصف أو
ما شابه عدد الأعضاء.
العامل السادس:
انخفاض منسوب الثقة بين الفاعلين السياسيين
الكتل السياسية يخشى بعضها البعض، وليس للفوز أي معنى بالنسبة لبعضها
البعض، من حيث الثقة والمقبولية. أحد النواب البارزين عبر بوضوح عن عدم
الثقة هذه بقوله كيف تعطي كتلة ما أصواتها لمرشح كتلة أخرى دون أن تضمن
أن هذه الكتلة الثانية سوف تعطي أصواتها لمرشح الكتلة الأولى. العملية
السياسية تسير على قاعدة أعطني صوتك وأعطيك صوتي، بالتبادل والشرط، لكي
نخطو معاً الخطوة التالية.
قد أضيف الى هذا العامل صفة أخرى يتحلى بها الكثير من الفاعلين
السياسيين وهي عدم إيمانهم العملي بالديمقراطية، بما تتضمنه من إيمان
بأن السلطة هي من حق المواطن قبل كل شيء.
العامل السابع:
التدخلات الخارجية
أصبح العراق، بعد 9 نيسان 2003، منطقة منخفض جوي، على المستوى السياسي.
وأدى هذا الى هبوب رياح قوية عليه. وتمثلت الرياح هنا بالتدخلات
الأجنبية وقوة العامل الأجنبي الخارجي مقارناً بالعمل الوطني الداخلي.
وأدى ذلك الى صعوبة إنجاز حل وطني دون: أما المؤثر الأجنبي، وهو أمر
صعب، أو دون توافق خارجي يمهد للحل الوطني، وهذا أمر لا يقل صعوبة بسبب
تعدد مفردات العامل الخارجي التي تمثلت في الآتي:
أولاً، المؤثر الإيراني
ثانياً، المؤثر العربي
ثالثاً، المؤثر الأميركي
والآن، وبوجود هذه العوامل، أتساءل: هل من حل؟
وجوابي: نعم، وذلك باتباع الخطوات التالية:
أولاً، تغيير الأجندة: أولوية بناء الدولة على تولي السلطة.
ثانياً، تفعيل مبدأ المواطنة، بما في ذلك إعادة جزء كبير من السلطة الى
المواطن.
ثالثاً، إشاعة ثقافة سياسية سليمة قادرة على خلق وعي ديمقراطي،
والتأسيس لحضور شعبي في الحراك السياسي.
رابعاً، إيجاد مكان مؤقت لممارسة الديمقراطية التوافقية، وأقترح أن
يكون مجلس الاتحاد الذي ينص عليه الدستور هو مكان صناعة القرار
التوافقي وليس البرلمان. يتفرغ البرلمان للمهمة التشريعية (في الأمور
التي تحتاج الى تصويت وأغلبية فقط، وليس الى توافق) والمهمة الرقابية
والتمثيلية.
خامساً، فك الارتباط الزمني بين مفردات العملية السياسية: رئيس
الجمهورية لمدة ست سنوات، وانتخاب البرلمان على مرحلتين، كل مرحلة
لانتخاب نصف أعضاء البرلمان فقط. في الدورة الحالية يبقى نصف أعضاء
البرلمان لمدة أربع سنوات، فيما يخرج منه النصف الآخر بعد سنتين حيث
يتم انتخاب نصف أعضاء البرلمان الجدد لمدة أربع سنوات.
وهكذا سيكون البرلمان موجوداً بصورة دائمة، ولا يحصل فراغ تشريعي ولا
فراغ دستوري.
سادساً، فصل المسار السياسي والحزبي، عن المسار التنفيذي والإداري.
سابعاً، كل هذه الخطوات سوف تساعد على بناء دولة مستقرة ومؤسسات
مستمرة، مما يساعد بدوره على تخفيف درجة تأثير العامل الخارجي.
هذه الخطوات تتطلب، بطبيعة الحال، إجراء إصلاح سياسي شامل ينطلق من
تعديل شامل للدستور.
أتمنى أن ينبري عدد جيد من أعضاء البرلمان الواعين، الى قيادة حركة
إصلاح سياسي شامل، بمعونة مفكري ومثقفي وأكاديميي البلد ومنظمات
المجتمع المدني فيه، بعد أن أوصله سياسيوه الى أزمته الراهنة التي لا
تقل خطورة عن الحرب الأهلية التي شهدتها السنوات الماضية.

|